قوله تعالى:"اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها"إلى آخر الآية في تعقيب عتاب المؤمنين على قسوة قلوبهم بهذا التمثيل تقوية لرجائهم وترغيب لهم في الخشوع.
ويمكن أن يكون من تمام العتاب السابق ويكون تنبيها على أن الله لا يخلي هذا الدين على ما هو عليه من الحال بل كلما قست قلوب وحرموا الخشوع لأمر الله جاء بقلوب حية خاشعة له يعبد بها كما يريد.
فتكون الآية في معنى قوله:"ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم": سورة محمد: 38.
ولذلك ذيل الآية بقوله:"قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون".
قوله تعالى:"إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم"تكرار لحديث المضاعفة والأجر الكريم للترغيب في الإنفاق في سبيل الله وقد أضيف إلى الذين أقرضوا الله قرضا حسنا المصدقون والمصدقات.
والمصدقون والمصدقات - بتشديد الصاد والدال - المتصدقون والمتصدقات ، وقوله:"و أقرضوا الله"عطف على مدخول اللام في"المصدقين"، والمعنى: أن الذين تصدقوا والذين أقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ما أعطوه ولهم أجر كريم.
قوله تعالى:"و الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم"إلخ ، لم يقل: آمنوا بالله ورسوله كما قال في أول السورة:"آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا"وقال في آخرها:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله"لأنه تعالى لما ذكر أهل الكتاب في الآية السابقة بقوله:"و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل"عدل عن السياق السابق إلى سياق عام يشمل المسلمين وأهل الكتاب جميعا كما قال بعد:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات"وأما الآيتان المذكورتان في أول السورة وآخرها فالخطاب فيهما لمؤمني هذه الأمة خاصة ولذا جيء فيهما بالرسول مفردا.
والمراد بالإيمان بالله ورسله محض الإيمان الذي لا يفارق بطبعه الطاعة والاتباع كما مرت الإشارة إليه في قوله:"آمنوا بالله ورسوله"الآية ، والمراد بقوله:"أولئك هم الصديقون والشهداء"إلحاقهم بالصديقين والشهداء بقرينة قوله:"عند ربهم"وقوله:"لهم أجرهم ونورهم"فهم ملحقون بالطائفتين يعامل معهم معاملة الصديقين والشهداء فيعطون مثل أجرهم ونورهم.
والظاهر أن المراد بالصديقين والشهداء هم المذكورون في قوله:"و من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء: 69 ، وقد تقدم في تفسير الآية أن المراد بالصديقين هم الذين سرى الصدق في قولهم وفعلهم فيفعلون ما يقولون ويقولون ما يفعلون ، والشهداء هم شهداء الأعمال يوم القيامة دون الشهداء بمعنى المقتولين في سبيل الله.
فهؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله ملحقون بالصديقين والشهداء منزلون منزلتهم عند الله أي بحكم منه لهم أجرهم ونورهم.
وقوله:"لهم أجرهم ونورهم"ضمير"لهم"للذين آمنوا ، وضمير"أجرهم ونورهم"للصديقين والشهداء أي للذين آمنوا أجر من نوع أجر الصديقين والشهداء ونور من نوع نورهم ، وهذا معنى قول من قال: إن المعنى: لهم أجر كأجرهم ونور كنورهم.
وربما قيل: إن الآية مسوقة لبيان أنهم صديقون وشهداء على الحقيقة من غير إلحاق وتنزيل فهم هم لهم أجرهم ونورهم ، ولعل السياق لا يساعد عليه.
وربما قيل: إن قوله:"و الشهداء"ليس عطفا على قوله:"الصديقون"بل استئناف و"الشهداء"مبتدأ خبره"عند ربهم"وخبره الآخر"لهم أجرهم"فقد قيل: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ، وقد تم الكلام ثم استؤنف وقيل:"و الشهداء عند ربهم"كما قيل:"بل أحياء عند ربهم": آل عمران: 169 ، والمراد بالشهداء المقتولون في سبيل الله ، ثم تمم الكلام بقوله:"لهم أجرهم ونورهم".
وقوله:"و الذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم"أي لا يفارقونها وهم فيها دائمين.