و من هنا يعلم: أن ما تشتمل عليه الآية الأخيرة من وعده تعالى بالمغفرة والفضل قبال وعد الشيطان هو الكلام الملكي في قبال الوسوسة من الشيطان ، وقد سماه تعالى الحكمة ، ومثلها قوله تعالى:"و يجعل لكم نورا تمشون به": الحديد - 28 ، وقوله:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض": الفتح - 4 ، وقد مر بيانها في الكلام على السكينة في ذيل قوله تعالى:"فيه سكينة من ربكم": البقرة - 248 ، وكذا قوله:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون": الأنعام - 125 ، وقد سمى الوسوسة رجزا فقال:"رجز الشيطان": الأنفال - 11 ، فمن جميع ذلك يظهر أن الشياطين والملائكة يكلمون الإنسان بإلقاء المعاني في قلبه.
وهنا قسم آخر من التكليم يختص به تعالى كما ذكره بقوله:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب"الآية: الشورى - 51 ، فسماه تكليما وقسمه إلى الوحي ، وهو الذي لا حجاب فيه بينه وبين العبد المكلم ، وإلى التكليم من وراء حجاب ، هذه أقسام من الكلام لله سبحانه وللملائكة والشياطين.
أما كلام الله سبحانه المسمى بالوحي فهو متميز متعين بذاته فإن الله سبحانه ألقى التقابل بينه وبين التكليم من وراء حجاب فهو تكليم حيث لا حجاب بين الإنسان وبين ربه ، ومن المحال أن يقع هناك لبس ، وهو ظاهر ، وأما غيره فيحتاج إلى تسديد ينتهي إلى الوحي.
وأما الكلام الملكي والشيطاني فالآيات المذكورة آنفا تكفي في التمييز بينها فإن الخاطر الملكي يصاحب انشراح الصدر ، ويدعو إلى المغفرة والفضل ، وينتهي بالأخرة إلى ما يطابق دين الله المبين في كتابه وسنة نبيه ، والخاطر الشيطاني يلازم تضيق الصدر ، وشح النفس ويدعو إلى متابعة الهوى ، ويعد الفقر ، ويأمر بالفحشاء ، وبالأخرة ينتهي إلى ما لا يطابق الكتاب والسنة ، ويخالف الفطرة.
ثم إن الأنبياء ومن يتلوهم ربما تيسر لهم مشاهدة الملك والشيطان ومعرفتهما كما حكى الله تعالى عن آدم وإبراهيم ولوط فأغنى ذلك عن استعمال المميز ، وأما مع عدم المشاهدة فلا بد من استعماله كسائر المؤمنين ، وينتهي بالأخرة إلى تمييز الوحي وهو ظاهر.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى: إذ قالت امرأة عمران الآية ، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا سويا مباركا يبرىء الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله ، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل ، فحدث عمران امرأته حنة بذلك وهي أم مريم فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلاما فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ، وليس الذكر كالأنثى لا تكون البنت رسولا ، يقول الله: والله أعلم بما وضعت فلما وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه فإذا قلنا في الرجل منا شيئا وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك.
أقول: وروي قريبا منه في الكافي ، عنه (عليه السلام) وفي تفسير العياشي ، عن الباقر (عليه السلام) .
وفي تفسير العياشي ، في الآية عن الصادق (عليه السلام) : أن المحرر يكون في الكنيسة لا يخرج منها فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى ، إن الأنثى تحيض فتخرج من المسجد ، والمحرر لا يخرج من المسجد.
وفيه ، عن أحدهما: نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم العباد ، وليس الذكر كالأنثى في الخدمة ، قال فشبت وكانت تخدمهم وتناولهم حتى بلغت فأمر زكريا أن تتخذ لها حجابا دون العباد.
أقول: والروايات كما ترى تنطبق على ما قدمناه في البيان السابق إلا أن ظاهرها: أن قوله: وليس الذكر كالأنثى ، كلام لامرأة عمران لا له تعالى ، ويبقى عليه وجه تقديم الذكر على الأنثى في الجملة ، مع أن مقتضى القواعد العربية خلافه ، وكذا يبقى عليه وجه تسميتها بمريم ، وقد مر أنه في معنى التحرير إلا أن يفرق بين التحرير وجعلها خادمة فليتأمل.
وفي الرواية الأولى دلالة على كون عمران نبيا يوحى إليه ، ويدل عليه ما في البحار ، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن عمران أ كان نبيا؟ فقال نعم كان نبيا مرسلا إلى قومه ، الحديث.