و الذي جعله الله تعالى آية لزكريا على ما يدل عليه قوله آيتك أن لا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار هو أنه كان لا يقدر ثلاثة أيام على تكليم أحد ويعتقل لسانه إلا بذكر الله وتسبيحه ، وهذه آية واقعة على نفس النبي ولسانه وتصرف خاص فيه لا يقدر عليه الشيطان لمكان العصمة فليس إلا رحمانيا وهذه الآية كما ترى متناسبة مع الوجه الأول دون الوجه الثاني.
فإن قلت لو كان الأمر كذلك فما معنى قوله قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء الآية فإن ظاهره أنه خاطب ربه وسأله ما سأل ثم أجيب بما أجيب فما معنى هذه المخاطبة لو كان شاكا في أمر النداء؟ ولو لم يكن شاكا عندئذ فما معنى سؤال التمييز؟.
قلت: مراتب الركون والاعتقاد مختلفة فمن الممكن أن يكون قد اطمأنت نفسه على كون النداء رحمانيا من جانب الله ثم يسأل ربه من كيفية الولادة التي كانت تتعجب منه نفسه الشريفة كما مر فيجاب بنداء آخر ملكي تطمئن إليه نفسه ثم يسأل ربه آية توجب اليقين بأنه كان رحمانيا فيزيد بذلك وثوقا وطمأنينة.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: فنادته الملائكة ، فإن النداء إنما يكون من بعيد ولذلك كثر إطلاق النداء في مورد الجهر بالقول لكونه عندنا من لوازم البعد ، وليس بلازم بحسب أصل معنى الكلمة كما يشهد به قوله تعالى في ما حكى فيه دعاء زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا: مريم - 3 فقد أطلق عليه النداء بعناية تذلل زكريا: وتواضعه قبال تعزز الله سبحانه وترفعه وتعاليه ، ثم وصف النداء بالخفاء فالكلام لا يخلو عن إشعار بكون زكريا لم ير الملك نفسه ، وإنما سمع صوتا يهتف به هاتف.
وقد ذكر بعض المفسرين: أن المراد من جعله تعالى عدم التكليم آية نهيه عن تكليم الناس ثلاثة أيام ، والانقطاع فيها إلى ذكر الله وتسبيحه دون اعتقال لسانه ، قال: الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه ويبشر أهله فسأل عن الكيفية ، ولما أجيب بما أجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ، ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود ، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع إلى الذكر والتسبيح مساء صباحا مدة ثلاثة أيام فإذا احتاج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء ، على هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث الليال ، انتهى.
وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره من مسألته عبادة تكون شكرا للمنحة ، وانتهائها إلى حصول المقصود ، وكون انتهائها هو الآية ، وكون قوله: أن لا تكلم مسوقا للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله في الآية عين ولا أثر.
كلام في الخواطر الملكية والشيطانية وما يلحق بها من التكليم
قد مر كرارا أن الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث اشتمالها على الأغراض المقصودة منها ، وأن القول أو الكلام مثلا إنما يسمى به الصوت لإفادته معنى مقصودا يصح السكوت عليه ، فما يفاد به ذلك ، كلام وقول سواء كان مفيدة صوتا واحدا أو أصواتا متعددة مؤلفة أو غير صوت كالإيماء والرمز ، والناس لا يتوقفون في تسمية الصوت المفيد فائدة تامة كلاما وإن لم يخرج عن شق فم ، وكذلك في تسمية الإيماء قولا وكلاما وإن لم يشتمل على صوت.
والقرآن أيضا يسمي المعاني الملقاة في القلوب من الشيطان كلاما له وقولا منه ، قال تعالى حكاية عن الشيطان:"و لآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام": النساء - 119 وقال:"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر": الحشر - 16 ، وقال:"يوسوس في صدور الناس": الناس - 5 ، وقال"يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول": الأنعام - 112 وقال أيضا حكاية عن إبليس:"إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم": إبراهيم - 22 وقال:"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا": البقرة - 269 ، ومن الواضح أن هذه هي الخواطر الواردة على القلوب ، نسبت إلى الشيطان ، وسميت بالأمر والقول والوسوسة والوحي والوعد ، وجميعها قول وكلام ولم تخرج عن شق فم ولا تحريك لسان.