فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 4314

2 سورة البقرة - 224 - 227

وَلا تجْعَلُوا اللّهَ عُرْضةً لأَيْمَنِكمْ أَن تَبَرّوا وَتَتّقُوا وَتُصلِحُوا بَينَ النّاسِ وَاللّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ في أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بمَا كَسبَت قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِّلّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسائهِمْ تَرَبّص أَرْبَعَةِ أَشهُرٍ فَإِن فَاءُو فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطلَقَ فَإِنّ اللّهَ سمِيعٌ عَلِيمٌ (227)

قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا إلى آخر الآية ، العرضة بالضم من العرض وهو كإرائة الشيء للشيء حتى يرى صلوحه لما يريده ويقصده كعرض المال للبيع وعرض المنزل للنزول وعرض الغذاء للأكل ، ومنه ما يقال للهدف: أنه عرضة للسهام ، وللفتاة الصالحة للازدواج أنها عرضة للنكاح ، وللدابة المعدة للسفر أنها عرضة للسفر وهذا هو الأصل في معناها ، وأما العرضة بمعنى المانع المعرض في الطريق وكذا العرضة بمعنى ما ينصب ليكون معرضا لتوارد الواردات وتواليها في الورود كالهدف للسهام حتى يفيد كثرة العوارض إلى غير ذلك من معانيها فهي مما لحقها من موارد استعمالها غير دخيلة في أصل المعنى.

والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف مأخوذة من اليمين بمعنى الجارحة لكونهم يضربون بها في الحلف والعهد والبيعة ونحو ذلك فاشتق من آلة العمل اسم للعمل ، للملازمة بينها كما يشتق من العمل اسم لآلة العمل كالسبابة للإصبع التي يسب بها.

ومعنى الآية والله أعلم: ولا تجعلوا الله عرضة تتعلق بها أيمانكم التي عقدتموها بحلفكم أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فإن الله سبحانه لا يرضى أن يجعل اسمه ذريعة للامتناع عما أمر به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، ويؤيد هذا المعنى ما ورد من سبب نزول الآية على ما سننقله في البحث الروائي إن شاء الله.

وعلى هذا يصير قوله تعالى: أن تبروا"إلخ"، بتقدير ، لا ، أي أن لا تبروا ، وهو شائع مع أن المصدرية كقوله تعالى"يبين الله لكم أن تضلوا:"النساء - 17 ، أي أن لا تضلوا أو كراهة أن تضلوا ، ويمكن أن لا يكون بتقدير ، لا ، وقوله تعالى: أن تبروا ، متعلقا بما يدل عليه قوله تعالى: ولا تجعلوا ، من النهي أي ينهاكم الله عن الحلف الكذائي أو يبين لكم حكمه الكذائي أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ، ويمكن أن يكون العرضة بمعنى ما يكثر عليه العرض فيكون نهيا عن الإكثار من الحلف بالله سبحانه ، والمعنى لا تكثروا من الحلف بالله فإنكم إن فعلتم ذلك أداكم إلى أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس ، فإن الحلاف المكثر من اليمين لا يستعظم ما حلف به ويصغر أمر ما أقسم به لكثرة تناوله فلا يبالي الكذب فيكثر منه هذا عند نفسه ، وكذا يهون خطبه وينزل قدره عند الناس لاستشعارهم أنه لا يرى لنفسه عند الناس قدم صدق ويعتقد أنهم لا يصدقونه فيما يقول ، ولا أنه يوقر نفسه بالاعتماد عليها ، فيكون على حد قوله تعالى:"و لا تطع كل حلاف مهين:"القلم - 10 ، والأنسب على هذا المعنى أيضا عدم تقدير لا في الكلام بل قوله تعالى: أن تبروا منصوب بنزع الخافض أو مفعول له لما يدل عليه النهي في قوله ولا تجعلوا ، كما مر.

وفي قوله تعالى: والله سميع عليم نوع تهديد على جميع المعاني غير أن المعنى الأول أظهرها كما لا يخفى.

قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إلى آخر الآية ، اللغو من الأفعال ما لا يستتبع أثرا ، وأثر الشيء يختلف باختلاف جهاته ومتعلقاته ، فلليمين أثر من حيث إنه لفظ ، وأثر من حيث إنه مؤكد للكلام ، وأثر من حيث إنه عقد وأثر من حيث حنثه ومخالفة مؤداه ، وهكذا إلا أن المقابلة في الآية بين عدم المؤاخذة على لغو اليمين وبين المؤاخذة على ما كسبته القلوب وخاصة من حيث اليمين تدل على أن المراد بلغو اليمين ما لا يؤثر في قصد الحالف ، وهو اليمين الذي لا يعقد صاحبه على شيء من قول: لا والله وبلى والله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت