فهرس الكتاب

الصفحة 2384 من 4314

قوله تعالى:"الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"إلى آخر الآية بيان أن ما أوتي الفريقان من العاقبة المحمودة والجنة الخالدة ومن اللعنة وسوء الدار هو من الرزق الذي يرزقه الله من يشاء وكيف يشاء من غير حجر عليه أو إلزام.

وقد بين أن فعله تعالى يستمر على وفق ما جعله من نظام الحق والباطل فالاعتقاد الحق والعمل به ينتهي إلى الارتزاق بالجنة والسلام والباطل من الاعتقاد والعمل به ينتهي إلى اللعنة وسوء الدار ونكد العيش.

وقوله:"و فرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع"يريد به - على ما يفيده السياق - أن الرزق هو رزق الأخرى لكنهم لميلهم إلى ظاهر الحياة الدنيا وزينتها ركنوا إليها وفرحوا بها ، وقد أخطئوا فإنها حياة غير مقصودة بنفسها ولا خالدة في بقائها بل مقصودة لغيرها الذي هو الحياة الآخرة فهي بالنسبة إلى الآخرة متاع يتمتع به في غيره ولغيره غير مطلوب لنفسه فالحياة الدنيا بالقياس إلى الحياة الآخرة إنما تكون من الحق إذا أخذت مقدمة لها يكتسب بها رزقها وأما إذا أخذت مطلوبة بالاستقلال فليست إلا من الباطل الذي يذهب جفاء ولا ينتفع به في شيء ، قال تعالى:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت: 64.

في الاحتجاج ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : في حديث يذكر فيه أحوال الكفار قوله:"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"الزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل ، والذي ينفع الناس منه ، فالتنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله. والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره.

أقول: المراد بالتنزيل المراد الحقيقي من كلامه تعالى ، وبكلام الملحدين المثبت في القرآن هو ما فسروه برأيهم ، وما ذكره (عليه السلام) بعض المصاديق والآية أعم مدلولا كما مر.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة: في قوله:"الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق"عليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا الميثاق فإن الله قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة ، وذكره في بضع وعشرين آية نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم ، وإنما يعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله ، وذكر لنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول في خطبته: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له.

أقول: ظاهر كلامه حمل العهد والميثاق في الآية الكريمة على ما يدور بين الناس أنفسهم وقد عرفت أن ظاهر السياق خلافه.

وفي الكافي ، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل"قال: قرابتك.

وفيه ، أيضا بإسناد آخر عنه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) :"الذين يصلون ما أمر الله به - أن يوصل"قال: نزلت في رحم آل محمد وقد يكون في قرابتك. ثم قال: ولا تكونن ممن يقول في الشيء أنه في شيء واحد.

أقول: يعني لا تقصر القرآن على معنى واحد إذا احتمل معنى آخر فإن للقرآن ظهرا وبطنا وقد جعل الله مودة ذي القربى - وهي من الصلة - أجر الرسالة في قوله:"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى": الشورى: 23 ويدل على ما ذكرنا الرواية الآتية.

وفي تفسير العياشي ، عن عمر بن مريم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله:"الذين يصلون ما أمر الله به - أن يوصل"قال: من ذلك صلة الرحم وغاية تأويلها صلتك إيانا.

وفيه ، عن محمد بن الفضيل قال: سمعت العبد الصالح يقول:"الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل"قال هي رحم آل محمد معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ، وهي تجري في كل رحم.

أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر ، وقد تقدم معنى تعلق الرحم بالعرش في تفسير أوائل سورة النساء في الجزء الرابع من الكتاب.

وفي الكافي ، بإسناده عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ومما فرض الله عز وجل أيضا في المال من غير الزكاة قوله عز وجل:"الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل".

أقول: ورواه العياشي في تفسيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت