و فيه: أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولا به بينهم قبل الإسلام على كراهة وذم ، والذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة والنفرة ببيان أن الأمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما ، وأن الرقية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة والمعاشرة.
وظاهر الآيات - بما لا ينكر - أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه الأمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأمة ، والمراد به ما ذكرناه.
وعلى هذا فتعليل التخفيف بقوله:"و خلق الإنسان ضعيفا"مع كونه وصفا مشتركا بين جميع الأمم - هذه الأمة والذين من قبلهم - وكون التخفيف مخصوصا بهذه الأمة إنما هو من قبيل ذكر المقتضي العام والسكوت عما يتم به في تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع الإنسان سببا مقتضيا للتخفيف لو لا المانع لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف وانبساط الرحمة في سائر الأمم حتى وصلت النوبة إليكم فعمتكم الرحمة ، وظهرت فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور وشرع فيكم حكم التخفيف وقد حرمت الأمم السابقة من ذلك كما يدل عليه قوله: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا:"البقرة: 286"، وقوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج:"الحج: 78".
ومن هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الأمة.
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب ، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الرضاع لحمة كلحمة النسب.
وفي الدر المنثور ، أخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهن فيما يقرأ من القرآن.
أقول: وروي فيه عنها ما يقرب منه بطرق أخرى ، وهي من روايات التحريف مطروحة بمخالفة الكتاب.
وفيه أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة.
أقول: وهذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وهو مذهبهم وهو المستفاد من الكتاب كما مر في البيان المتقدم وقد روي من طرق أهل السنة عن علي (عليه السلام) : أن أم الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت ، وأنها بمنزلة الربيبة ، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج أمها لم يحرم عليه نكاحها ، وهذه أمور يدفعها المروي عنهم (عليهم السلام) من طرق الشيعة.
وفي الكافي ، بإسناده عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أ يتزوج بأمها؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : قد فعله رجل منا فلم ير به بأسا ، فقلت جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي (عليه السلام) في هذا في المشيخة التي أفتاه ابن مسعود أنه لا بأس به بذلك. ثم أتى عليا (عليه السلام) فسأله فقال له علي (عليه السلام) : من أين يأخذها؟ فقال من قول الله عز وجل: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ، فقال علي (عليه السلام) : إن هذه مستثناة وهذه مرسلة ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي (عليه السلام) ؟. فلما قمت ندمت وقلت: أي شيء صنعت؟ يقول: قد فعله رجل منا ولم ير به بأسا ، وأقول أنا: قضى علي (عليه السلام) فيها! فلقيته بعد ذلك وقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا (عليه السلام) قضى فيها ، وتسألني ما تقول فيها؟.