فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 4314

و قوله:"و لا تكن من الغافلين"تأكيد للأمر بالذكر في أول الآية ولم ينه تعالى عن أصل الغفلة ، وإنما نهى عن الدخول في زمرة الغافلين ، وهم الموصوفون بالغفلة الذين استقرت فيهم هذه الصفة.

ويتبين بذلك أن الذكر المطلوب المأمور به هو أن يكون الإنسان على ذكر من ربه حينا بعد حين ، ويبادر إليه لو عرضت له غفلة منسية ، ولا يدع الغفلة تستقر في نفسه ، وفي الآية التالية: دلالة على ذلك على ما سيجيء.

فمحصل الآية: الأمر بالاستمرار على ذكر الله في النفس تضرعا وخيفة حينا بعد حين ، وذكره بالقول دون الجهر بالغدو والآصال.

قوله تعالى:"إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون"ظاهر السياق أنه في موضع التعليل للأمر الواقع في الآية السابقة فيكون المعنى: اذكر ربك كذا وكذا فإن الذين عند ربك كذلك أي اذكر ربك كذا لتكون من الذين عند ربك ولا تخرج من زمرتهم.

ويتبين بذلك أن المراد بقوله:"الذين عند ربك"ليس هم الملائكة فقط - على ما فسره كثير من المفسرين - إذ لا معنى لقولنا: اذكر ربك كذا لأن الملائكة يذكرونه كذلك بل مطلق المقربين عنده تعالى على ما يفيده لفظ:"عند ربك"من الحضور من غير غيبة.

ويظهر من الآية أن القرب من الله إنما هو بذكره ، فبه يرتفع الحجاب بينه وبين عبده ، وإلا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها بقرب أو بعد أو غير ذلك.

وقوله:"لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون"فيه أمور ثلاثة يتصف بها الذكر النفسي كما يتصف بها الذكر القولي فإن للنفس أن تتصف بحال عدم الاستكبار ، وبحال تنزيهه تعالى ، وبحال السجدة وكمال الخشوع له كما يتصف بها الذكر القولي ويعنون بها العمل الخارجي ، فليس التسبيح والسجود مما يختص بالأعضاء من لسان وغيره كما يدل عليه قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44 ، وقوله:"و النجم والشجر يسجدان": الرحمن: 6 ، وقوله:"و لله يسجد ما في السماوات وما في الأرض": النحل: 49.

وما في الآية من توصيف القوم بعدم الاستكبار والتسبيح والسجود أخف وأهون مما يشتمل عليه قوله تعالى:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20 وقوله:"فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون": حم السجدة: 38 فإن هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الذي لا يتخلله عدم ، ولا يتوسطه مناف ، والآية التي نبحث عنها لم يأمر إلا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت.

فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمنه آيات سورتي الأنبياء وحم السجدة والله العالم.

في تفسير العياشي ، عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عمن سمع أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يقول: إن الله أدب رسوله فقال: يا محمد خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال: خذ منهم ما ظهر وما تيسر ، والعفو الوسط. وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك. ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"خذ العفو وأمر بالعرف - وأعرض عن الجاهلين". أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أهل السنة.

وفيه ، أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس. وفيه ، أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كيف يا رب والغضب؟ فنزل:"و إما ينزغنك من الشيطان نزغ"الآية. أقول: وفي الرواية شيء ، ويمكن أن يوجه بما قدمناه في الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت