قوله تعالى:"ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين"عطف على قوله المتقدم:"و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا"وفيه بيان عاقبة إرسالهم وما انتهى إليه أمر المسرفين من أممهم المقترحين عليهم الآيات ، وفيه أيضا توضيح ما أشير إليه من هلاكهم في قوله:"من قرية أهلكناها"وتهديد للمشركين.
والمراد بالوعد في قوله:"ثم صدقناهم الوعد"ما وعدهم من النصرة لدينهم وإعلاء كلمتهم كلمة الحق كما في قوله:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون": الصافات: 173 ، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله:"فأنجيناهم ومن نشاء"أي الرسل والمؤمنين وقد وعدهم النجاة كما يدل عليه قوله:"حقا علينا ننج المؤمنين": يونس: 103 ، والمسرفون هم المشركون المتعدون طور العبودية ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أ فلا تعقلون"امتنان منه تعالى بإنزال القرآن على هذه الأمة ، فالمراد بذكرهم الذكر المختص بهم اللائق بحالهم وهو آخر ما تسعه حوصلة الإنسان من المعارف الحقيقية العالية وأقوم ما يمكن أن يجري في المجتمع البشري من الشريعة الحنيفية والخطاب لجميع الأمة.
وقيل: المراد بالذكر الشرف ، والمعنى: فيه شرفكم أن تمسكتم به تذكرون به كما فسر به قوله تعالى:"و إنه لذكر لك ولقومك:"الزخرف: 44 ، والخطاب لجميع المؤمنين أو للعرب خاصة لأن القرآن إنما نزل بلغتهم وفيه بعد.
قوله تعالى:"و كم قصمنا من قرية كانت ظالمة"إلى آخر الآيات الخمس ، القصم في الأصل الكسر ، يقال: قصم ظهره أي كسره ، ويكنى به عن الهلاك ، والإنشاء الإيجاد ، والإحساس الإدراك من طريق الحس ، والبأس العذاب ، والركض العدو بشدة الوطء ، والإتراف التوسعة في النعمة ، والحصيد المقطوع ومنه حصاد الزرع ، والخمود السكون والسكوت.
والمعنى:"و كم قصمنا"وأهلكنا"من قرية"أي أهلها"كانت ظالمة"لنفسها بالإسراف والكفر"و أنشأنا"وأوجدنا"قوما آخرين فلما أحسوا"ووجدوا بالحس أي أهل القرية الظالمة"بأسنا"وعذابنا"إذا هم منها يركضون"ويعدون هاربين كالمنهزمين فيقال لهم توبيخا وتقريعا"لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه"من النعم"و مساكنكم"وإلى مساكنكم"لعلكم تسئلون"أي لعل المساكين وأرباب الحوائج يهجمون عليكم بالسؤال فتستكبروا عليهم وتختالوا أو تحتجبوا عنهم وهذا كناية عن اعتزازهم واستعلائهم وعد المتبوعين أنفسهم أربابا للتابعين من دون الله.
"قالوا"تندما"يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك"وهي كلمتهم يا ويلنا المشتملة على الاعتراف بربوبيته تعالى وظلم أنفسهم"دعواهم حتى جعلناهم حصيدا"محصودا مقطوعا"خامدين"ساكنين ساكتين كما تخمد النار لا يسمع لهم صوت ولا يذكر لهم صيت.
وقد وجه قوله:"لعلكم تسئلون"بوجوه أخرى بعيدة من الفهم تركنا التعرض لها.
في الاحتجاج ، روي عن صفوان بن يحيى قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) لأبي قرة صاحب شبرمة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكل كتاب أنزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا وهدى ، وهي كلها محدثة وهي غير الله حيث يقول:"أو يحدث لهم ذكرا"وقال:"و ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون"والله أحدث الكتب كلها التي أنزلها. فقال أبو قرة: فهل تفنى؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام) : أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فعل الله والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله ، أ لم تسمع الناس يقولون: رب القرآن؟ وأن القرآن يقول يوم القيامة: يا رب هذا فلان وهو أعرف به منه قد أظمأت نهاره وأصهرت ليله فشفعني فيه؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شيء لقوم يعقلون ، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد ، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدء.
الحديث.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"لاهية قلوبهم"قال: من التلهي.
وفيه ،: في قوله:"ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها - أ فهم يؤمنون"قال: كيف يؤمنون ولم يؤمن من كان قبلهم بالآيات حتى هلكوا.