و من لطيف الدلالة على كون المتعة نكاحا غير سفاح اقتران جملة"فما استمتعتم"إلخ بقوله قبله متصلا به"محصنين غير مسافحين".
فقد تبين بما ذكرنا أن المتعة في الشرع وفي عرف القرآن نكاح وزوجية لا زنا وسفاح سواء قلنا بكونها منسوخة بعد بكتاب أو سنة كما عليه معظم أهل السنة أو لم نقل كما عليه الشيعة تبعا لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
فالنكاح ينقسم إلى نوعين: نكاح دائم له أحكامه من العدد والإرث والإحصان والنفقة والفراش والعدة وغير ذلك.
ونكاح موقت مبني على التسهيل له من أحكام النكاح الدائم اختصاص المرأة بالرجل ولحقوق الأولاد والعدة.
وبذلك يظهر فساد ما ذكره جمع منهم أن المتعة ليست بزوجية ولو كانت زوجية لجرت فيها أحكامها من العدد والميراث والنفقة والإحصان وغير ذلك وذلك أن الزوجية تتقسم إلى دائمة لها أحكامها وموقتة مبنية على التسهيل يجري فيها بعض تلك الأحكام كما تقدم.
والإشكال بأن تشريع الازدواج إنما هو للتناسل بدوام الزوجية والغرض من المتعة مجرد دفع الشهوة بصب الماء وسفحه فهي سفاح وليست بنكاح.
فيه أن التوسل إلى النسل حكمة لا علة يدور مدارها التشريع وإلا لم يجز نكاح العاقر واليائسة والصبي والصبية.
على أن المتعة لا تنافي الاستيلاد ومن الشاهد على ذلك عبد الله وعروة ابنا زبير أولدا له من أسماء بنت أبي بكر من المتعة.
وكذا الإشكال بأن المتعة تجعل المرأة ملعبة يلعب بها الرجل كالكرة الدائرة بين الصوالج ذكره صاحب المنار وغيره.
فيه أن هذا يرد أول ما يرد على الشارع فإن من الضروري أن المتعة كانت دائرة في صدر الإسلام برهة من الزمان فما أجاب به الشارع كان هو جوابنا.
وثانيا أن جميع ما يقصد بالمتعة من لذة أو دفع شهوة أو استيلاد أو استئناس أو غير ذلك مشتركة بين الرجل والمرأة فلا معنى لجعلها ملعبة له دون العكس إلا أن يكابر مكابر.
وللكلام تتمة ستوافيك في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن أبي مليكة قال: سألت عائشة عن متعة النساء قالت: بيني وبينكم كتاب الله وقرأت"و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم - أو ما ملكت أيمانهم"فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا.
أقول: وروي نظيره عن القاسم بن محمد ، وقد تبين بما قدمنا أن المتمتع بها زوج وأن الآية تجيزها على خلاف ما في الرواية.
وفي تفسير القمي ،:"فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون"قال: من جاوز ذلك.
وفيه ،: والذين هم على صلواتهم يحافظون"قال: على أوقاتها وحدودها."
وفي الكافي ، بإسناده عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"و الذين هم على صلواتهم يحافظون"قال هي الفريضة قلت:"و الذين هم على صلاتهم دائمون"قال: هي النافلة.
وفي المجمع ، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله: أقول: وروى مثله القمي في تفسيره بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث مفصل وتقدم نظيره في قوله تعالى:"و أنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر": مريم: 39 في الجزء السابق من الكتاب.
لا ريب أن الذي يدعو الإنسان ويبعثه نحو الاستنان بالسنن الاجتماعية أو وضع القوانين الجارية في المجتمع البشري تنبهه لحوائج الحياة وتوسله بوضعها والعمل بها إلى رفعها.
وكلما كانت الحاجة أبسط وإلى الطبيعة الساذجة أقرب كان التوسل إلى رفعها أوجب والإهمال في دفعها أدهى وأضر فما الحاجة إلى أصل التغذي والحياة تدور معه كالحاجة إلى التنعم بألوان الطعام وأنواع الفواكه وهكذا.
ومن الحوائج الأولية الإنسانية حاجة كل من صنفيه: الذكور والإناث إلى الآخرين بالنكاح والمباشرة ، ولا ريب أن المطلوب بالنظر إلى الصنع والإيجاد بذلك بقاء النسل وقد جهز الإنسان بغريزة شهوة النكاح للتوسل به إلى ذلك.
ولذلك نجد المجتمعات الإنسانية التي نشاهدها أو نسمع بأخبارها مستنة بسنة الازدواج وتكوين البيت ، وعلى ذلك كانت منذ أقدم عهودها فلم يضمن بقاء النسل إلا الازدواج.