و الآية أعني قوله:"إن كان لكم كيد فكيدون"أوسع مدلولا من قوله:"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان": الرحمن: 33 لاختصاصه بنفي القدرة على الفرار بخلاف الآية التي نحن فيها وفي قوله:"فكيدون"التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده والنكتة فيه أن متعلق هذا الأمر التعجيزي إنما هو الكيد لمن له القوة والقدرة فحسب وهو الله وحده ولو قيل: فكيدونا فأت الإشعار بالتوحد.
قوله تعالى:"إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون - إلى قوله - المحسنين"الظلال والعيون ظلال الجنة وعيونها التي يتنعمون بالاستظلال بها وشربها ، والفواكه جمع فاكهة وهي الثمرة.
وقوله:"كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون"مفاده الإذن والإباحة ، وكان الأكل والشرب كناية عن مطلق التنعم بنعم الجنة والتصرف فيها وإن لم يكن بالأكل والشرب ، وهو شائع كما يطلق أكل المال على مطلق التصرف فيه.
وقوله:"إنا كذلك نجزي المحسنين"تسجيل لسعادتهم.
قوله تعالى:"كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون"الخطاب من قبيل قولهم: افعل ما شئت فإنه لا ينفعك ، وهذا النوع من الأمر إياس للمخاطب أن ينتفع بما يأتي به من الفعل للحصول على ما يريده ، ومنه قوله:"فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا": طه: 72 ، وقوله:"اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير": حم السجدة: 40.
فقوله:"كلوا وتمتعوا قليلا"أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا إياس لهم من أن ينتفعوا بمثل الأكل والتمتع في دفع العذاب عن أنفسهم فليأكلوا وليتمتعوا قليلا فليس يدفع عنهم شيئا.
وإنما ذكر الأكل والتمتع لأن منكري المعاد لا يرون من السعادة إلا سعادة الحياة الدنيا ولا يرون لها من السعادة إلا الفوز بالأكل والتمتع كالحيوان العجم قال تعالى:"و الذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم": سورة محمد: 12.
وقوله:"إنكم مجرمون"تعليل لما يستفاد من الجملة السابقة المشتملة على الأمر أي لا ينفعكم الأكل والتمتع قليلا لأنكم مجرمون بتكذيبكم بيوم الفصل وجزاء المكذبين به النار لا محالة.
قوله تعالى:"و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون"المراد بالركوع الصلاة كما قيل ولعل ذلك باعتبار اشتمالها على الركوع.
وقيل: المراد بالركوع المأمور به الخشوع والخضوع والتواضع له تعالى باستجابة دعوته وقبول كلامه واتباع دينه ، وعبادته.
وقيل: المراد بالركوع ما يؤمرون بالسجود يوم القيامة كما يشير إليه قوله تعالى"و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون": القلم: 42 والوجهان لا يخلوان من بعد.
ووجه اتصال الآية بما قبلها أن الكلام كان مسوقا لتهديد المكذبين بيوم الفصل وبيان تبعة تكذيبهم به وتمم ذلك في هذه الآية بأنهم لا يعبدون الله إذا دعوا إلى عبادته كما ينكرون ذلك اليوم فلا معنى للعبادة مع نفي الجزاء ، وليكون كالتوطئة لقوله الآتي:"فبأي حديث بعده يؤمنون".
ونسب إلى الزمخشري أن الآية متصلة بقوله في الآية السابقة:"للمكذبين"كأنه قيل: ويل يومئذ للذين كذبوا والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.
وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله:"و إذا قيل لهم"إلخ وجهه الإعراض عن مخاطبتهم بعد تركهم وأنفسهم يفعلون ما يشاءون بقوله:"كلوا وتمتعوا".
قوله تعالى:"فبأي حديث بعده يؤمنون"أي إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو آية معجزة إلهية ، وقد بين لهم أن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن أمامهم يوم الفصل بأوضح البيان وساطع البرهان فبأي كلام بعد القرآن يؤمنون.
وهذا إيئاس من إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر وكالتنبيه على أن رفع اليد عن دعوتهم إلى الإيمان بإلقاء قوله:"كلوا وتمتعوا"إليهم في محله فليسوا بمؤمنين ولا فائدة في دعوتهم غير أن فيها إتماما للحجة.
في تفسير القمي ،: وقوله:"أ لم نخلقكم من ماء مهين"قال: منتن"فجعلناه في قرار مكين"قال: في الرحم وأما قوله:"إلى قدر معلوم"يقول: منتهى الأجل.