و المعنى: قد خلقناكم من ماء حقير هو النطفة فجعلنا ذلك الماء في قرار مكين هي الرحم إلى مدة معلومة هي مدة الحمل فقدرنا جميع ما يتعلق بوجودكم من الحوادث والصفات والأحوال فنعم المقدرون نحن.
ويجري في كون مضمون هذه الآيات حجة على توحد الربوبية نظير البيان السابق في الآيات المتقدمة ، وكذا في كونه حجة على تحقق يوم الفصل فإن الربوبية تستوجب خضوع المربوبين لساحتها وهو الدين المتضمن للتكليف ، ولا يتم التكليف إلا بجعل جزاء على الطاعة والعصيان ، واليوم الذي يجازى فيه بالأعمال هو يوم الفصل.
قوله تعالى:"أ لم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا - إلى قوله - فراتا"الكفت والكفات بمعنى الضم والجمع أي أ لم نجعل الأرض كفاتا يجمع العباد أحياء وأمواتا ، وقيل: الكفات جمع كفت بمعنى الوعاء ، والمعنى أ لم نجعل الأرض أوعية تجمع الأحياء والأموات.
وقوله:"و جعلنا فيها رواسي شامخات"الرواسي الثابتات من الجبال ، والشامخات العاليات ، وكان في ذكر الرواسي توطئة لقوله:"و أسقيناكم ماء فراتا"لأن الأنهار والعيون الطبيعية تنفجر من الجبال فتجري على السهول ، والفرات الماء العذب.
ويجري في حجية الآيات نظير البيان السابق في الآيات المتقدمة.
قوله تعالى:"انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون"حكاية لما يقال لهم يوم الفصل والقائل هو الله سبحانه بقرينة قوله في آخر الآيات:"إن كان لكم كيد فكيدون"والمراد بما كانوا به يكذبون: جهنم ، والانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث ، والمعنى يقال لهم: انتقلوا من المحشر من غير مكث إلى النار التي كنتم تكذبون به.
قوله تعالى:"انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب"ذكروا أن المراد بهذا الظل ظل دخان نار جهنم قال تعالى:"و ظل من يحموم": الواقعة: 43.
وذكروا أن في ذكر انشعابه إلى ثلاث شعب إشارة إلى عظم الدخان فإن الدخان العظيم يتفرق تفرق الذوائب.
قوله تعالى:"لا ظليل ولا يغني من اللهب"الظل الظليل هو المانع من الحر والأذى بستره على المستظل فكون الظل غير ظليل كونه لا يمنع ذلك ، واللهب ما يعلو على النار من أحمر وأصفر وأخضر.
قوله تعالى:"إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر"ضمير أنها للنار المعلومة من السياق ، والشرر ما يتطاير من النار ، والقصر معروف ، والجمالة جمع جمل وهو البعير.
والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون"الإشارة إلى يوم الفصل ، والمراد بالإذن الإذن في النطق أو في الاعتذار.
وقوله:"فيعتذرون"معطوف على"يؤذن"منتظم معه في سلك النفي ، والمعنى هذا اليوم يوم لا ينطقون فيه أي أهل المحشر من الناس ولا يؤذن لهم في النطق أو في الاعتذار فلا يعتذرون ، ولا ينافي نفي النطق هاهنا إثباته في آيات أخر لأن اليوم ذو مواقف كثيرة مختلفة يسألون في بعضها فينطقون ويختم على أفواههم في آخر فلا ينطقون.
وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه": هود: 105 فليراجع.
قوله تعالى:"هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون"سمي يوم الفصل لما أن الله تعالى يفصل ويميز فيه بين أهل الحق وأهل الباطل بالقضاء بينهم قال تعالى:"إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": السجدة: 25 ، وقال:"إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": يونس: 93.
والخطاب في قوله:"جمعناكم والأولين"لمكذبي هذه الأمة بما أنهم من الآخرين ولذا قوبلوا بالأولين قال تعالى:"ذلك يوم مجموع له الناس": هود: 103 وقال"و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا": الكهف: 67.
وقوله:"فإن كان لكم كيد فكيدون"أي إن كانت لكم حيلة تحتالون بي في دفع عذابي عن أنفسكم فاحتالوا ، وهذا خطاب تعجيزي منبىء عن انسلاب القوة والقدرة عنهم يومئذ بالكلية بظهور أن لا قوة إلا لله عز اسمه قال تعالى:"و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": البقرة: 166.