فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 4314

قوله تعالى:"و من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن"إلى آخر الآية كأنه دفع لدخل مقدر ، تقديره: أنه إذا لم يكن لإسلام المسلم أو لإيمان أهل الكتاب تأثير في جلب الخير إليه وحفظ منافعه وبالجملة إذا كان الإيمان بالله وآياته لا يعدل شيئا ويستوي وجوده وعدمه فما هو كرامة الإسلام وما هي مزية الإيمان؟.

فأجيب بأن كرامة الدين أمر لا يشوبه ريب ، ولا يداخله شك ولا يخفى حسنه على ذي لب وهو قوله"و من أحسن دينا"، حيث قرر بالاستفهام على طريق إرسال المسلم فإن الإنسان لا مناص له عن الدين ، وأحسن الدين إسلام الوجه لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، والخضوع له خضوع العبودية ، والعمل بما يقتضيه ملة إبراهيم حنيفا وهو الملة الفطرية ، وقد اتخذ الله سبحانه إبراهيم الذي هو أول من أسلم وجهه لله محسنا واتبع الملة الحنيفية خليلا.

لكن لا ينبغي أن يتوهم أن الخلة الإلهية كالخلة الدائرة بين الناس الحاكمة بينهم على كل حق وباطل التي يفتح لهم باب المجازفة والتحكم فالله سبحانه مالك غير مملوك ومحيط غير محاط بخلاف الموالي والرؤساء والملوك من الناس فإنهم لا يملكون من عبيدهم ورعاياهم شيئا إلا ويملكونهم من أنفسهم شيئا بإزائه ، ويقهرون البعض بالبعض ، ويحكمون على طائفة بالأعضاد من طائفة أخرى ولذلك لا يثبتون في مقامهم إذا خالفت إرادتهم إرادة الكل بل سقطوا عن مقامهم وبان ضعفهم.

ومن هنا يظهر الوجه في تعقيب قوله"و من أحسن دينا إلخ بقوله"و لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا"."

في تفسير القمي ،: أن سبب نزولها يعني قوله تعالى"إنا أنزلنا إليك الكتاب"الآيات أن قوما من الأنصار من بني أبيرق إخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير ، وبشر ، ومبشر. فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله وسيفا ودرعا. فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إن قوما نقبوا على عمي ، وأخذوا طعاما كان أعده لعياله وسيفا ودرعا ، وهم أهل بيت سوء ، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له:"لبيد بن سهل"فقال بنو أبيرق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل ، فبلغ ذلك لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني أبيرق أ ترمونني بالسرقة؟ وأنتم أولى به مني ، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله ، وتنسبون إلى قريش ، لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم ، فداروه وقالوا له: ارجع يرحمك الله فإنك بريء من ذلك. فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له:"أسيد بن عروة"وكان منطقيا بليغا فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك ، وجاءه قتادة فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة ، وعاتبه عتابا شديدا فاغتم قتادة من ذلك ، ورجع إلى عمه وقال له: يا ليتني مت ولم أكلم رسول الله فقد كلمني بما كرهته. فقال عمه: الله المستعان. فأنزل الله في ذلك على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق - إلى أن قال إذ يبيتون ما لا يرضى من القول"قال القمي يعني الفعل فوقع القول مقام الفعل"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا - إلى أن قال - ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا"قال القمي لبيد بن سهل"فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت