فرد الله على هذه الطائفة من المؤمنين في مزعمتهم ، وأتبعهم بأهل الكتاب وسمى هذه المزاعم بالأماني استعارة لأنها كالأماني ليست إلا صورا خيالية ملذة لا أثر لها في الأعيان فقال: ليس بأمانيكم معاشر المسلمين أو معشر طائفة من المسلمين ولا بأماني أهل الكتاب بل الأمر يدور مدار العمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وقدم ذكر السيئة على الحسنة لأن عمدة خطإهم كانت فيها.
قوله تعالى:"من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا"جيء في الكلام بالفصل من غير وصل لأنه في موضع الجواب عن سؤال مقدر ، تقديره إذا لم يكن الدخول في حمى الإسلام والإيمان يجر للإنسان كل خير ، ويحفظ منافعه في الحياة ، وكذا اليهودية والنصرانية فما هو السبيل؟ وإلى ما ذا ينجر حال الإنسان؟ فقيل:"من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات"إلخ.
وقوله"من يعمل سوءا يجز به"مطلق يشمل الجزاء الدنيوي الذي تقرره الشريعة الإسلامية كالقصاص للجاني ، والقطع للسارق ، والجلد أو الرجم للزاني إلى غير ذلك من أحكام السياسات وغيرها ويشمل الجزاء الأخروي الذي أوعده الله تعالى في كتابه وبلسان نبيه.
وهذا التعميم هو المناسب لمورد الآيات الكريمة والمنطبق عليه ، وقد ورد في سبب النزول أن الآيات نزلت في سرقة ارتكبها بعض ، ورمى بها يهوديا أو مسلما ثم ألحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي على المتهم.
وقوله"و لا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا"يشمل الولي والنصير في صرف الجزاء السيىء عنه في الدنيا كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ولي الأمر وكالتقرب منهما وكرامة الإسلام والدين ، فالجزاء المشرع من عند الله لا يصرفه عن عامل السوء صارف ، ويشمل الولي والنصير الصارف عنه سوء الجزاء في الآخرة إلا ما تشمله الآية التالية.
قوله تعالى:"و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا"هذا هو الشق الثاني المتضمن لجزاء عامل العمل الصالح وهو الجنة ، غير أن الله سبحانه شرط فيه شرطا يوجب تضييقا في فعلية الجزاء وعمم فيه من جهة أخرى توجب السعة.
فشرط في المجازاة بالجنة أن يكون الآتي بالعمل الصالح مؤمنا إذ الجزاء الحسن إنما هو بإزاء العمل الصالح ولا عمل للكافر ، قال تعالى: ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88 ، وقال تعالى:"أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 105."
قال تعالى:"و من يعمل من الصالحات"فأتى بمن التبعيضية ، وهو توسعة في الوعد بالجنة ، ولو قيل: ومن يعمل الصالحات - والمقام مقام الدقة في الجزاء - أفاد أن الجنة لمن آمن وعمل كل عمل صالح ، لكن الفضل الإلهي عمم الجزاء الحسن لمن آمن وأتى ببعض الصالحات فهو يتداركه فيما بقي من الصالحات أو اقترف من المعاصي بتوبة أو شفاعة كما قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 116 وقد تقدم تفصيل الكلام في التوبة وفي قوله تعالى:"إنما التوبة على الله": النساء: 17 في الجزء الرابع ، وفي الشفاعة في قوله تعالى"و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا": البقرة: 48 في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وقال تعالى:"من ذكر أو أنثى"فعمم الحكم للذكر والأنثى من غير فرق أصلا خلافا لما كانت تزعمه القدماء من أهل الملل والنحل كالهند ومصر وسائر الوثنيين أن النساء لا عمل لهن ولا ثواب لحسناتهن ، وما كان يظهر من اليهودية والنصرانية أن الكرامة والعزة للرجال ، وأن النساء أذلاء عند الله نواقص في الخلقة خاسرات في الأجر والمثوبة ، والعرب لا تعدو فيهن هذه العقائد فسوى الله تعالى بين القبيلين بقوله"من ذكر أو أنثى".
ولعل هذا هو السر في تعقيب قوله"فأولئك يدخلون الجنة"بقوله"و لا يظلمون نقيرا"لتدل الجملة الأولى على أن النساء ذوات نصيب في المثوبة كالرجال ، والجملة الثانية على أن لا فرق بينهما فيها من حيث الزيادة والنقيصة كما قال تعالى:"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض": آل عمران: 195.