و هذه الأمور المعدودة جميعها ضلال فذكر الإضلال معها من قبيل ذكر العام ثم ذكر بعض أفراده لعناية خاصة به ، يقول: لأضلنهم بالاشتغال بعبادة غير الله واقتراف المعاصي ، ولأغرنهم بالاشتغال بالآمال والأماني التي تصرفهم عن الاشتغال بواجب شأنهم وما يهمهم من أمرهم ، ولآمرنهم بشق آذان الأنعام وتحريم ما أحل الله سبحانه ، ولآمرنهم بتغيير خلق الله وينطبق على مثل الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحق.
وليس من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف ، قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30.
ثم عد تعالى دعوة الشيطان وهي طاعته فيما يأمر به اتخاذا له وليا فقال:"و من يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا"ولم يقل: ومن يكن الشيطان له وليا إشعارا بما تشعر به الآيات السابقة أن الولي هو الله ، ولا ولاية لغيره على شيء وإن اتخذ وليا.
قوله تعالى:"يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا"ظاهر السياق أنه تعليل لقوله في الآية السابقة"فقد خسر خسرانا مبينا"وأي خسران أبين من خسران من يبدل السعادة الحقيقية وكمال الخلقة بالمواعيد الكاذبة والأماني الموهومة ، قال تعالى:"و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب": النور.
أما المواعيد فهي الوساوس الشيطانية بلا واسطة ، وأما الأماني فهي المتفرعة على وساوسه مما يستلذه الوهم من المتخيلات ، ولذلك قال:"و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا"فعد الوعد غرورا دون التمنية على ما لا يخفى.
ثم بين عاقبة حالهم بقوله"أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا"أي معدلا ومفرا من"حاص"إذا عدل.
ثم ذكر ما يقابل حالهم وهو حال المؤمنين تتميما للبيان فقال تعالى:"و الذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات"إلى آخر الآية وفي الآيات التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة ، والوجه العام فيه الإيماء إلى جلالة المقام وعظمته بوضع لفظ الجلالة موضع ضمير المتكلم مع الغير فيما يحتاج إلى هذا الإشعار حتى إذا استوفى الغرض رجع إلى سابق السياق الذي كان هو الأصل ، وذلك في قوله"سندخلهم جنات"، وفي ذلك نكتة أخرى ، وهي الإيماء إلى قرب الحضور وعدم احتجابه تعالى عن عباده المؤمنين وهو وليهم.
قوله تعالى:"وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا"فيه مقابلة لما ذكر في وعد الشيطان أنه ليس إلا غرورا فكان وعد الله حقا ، وقوله صدقا.
قوله تعالى:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"عود إلى بدء الكلام وبمنزلة النتيجة المحصلة الملخصة من تفصيل الكلام ، وذلك أنه يتحصل من المحكي من أعمال بعض المؤمنين وأقوالهم ، وإلحاحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يراعي جانبهم ، ويعاضدهم ويساعدهم على غيرهم فيما يقع بينهم من النزاع والمشاجرة أنهم يرون أن لهم بإيمانهم كرامة على الله سبحانه وحقا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب به على الله ورسوله مراعاة جانبهم ، وتغليب جهتهم على غيرهم على الحق كانوا أو على الباطل ، عدلا كان الحكم أو ظلما على حد ما يراه اتباع أئمة الضلال ، وحواشي رؤساء الجور وبطائنهم وأذنابهم ، فالواحد منهم يمتن على متبوعه ورئيسه في عين أنه يخضع له ويطيعه ، ويرى أن له عليه كرامة تلتزمه على مراعاة جانبه وتقديمه على غيره تحكما.
وكذا كان يراه أهل الكتاب على ما حكاه الله تعالى في كتابه عنهم قال تعالى:"و قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه": المائدة: 18 ، وقال تعالى:"و قالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا": البقرة: 135 ، وقال تعالى:"قالوا ليس علينا في الأميين سبيل": آل عمران: 75.