فهرس الكتاب

الصفحة 3055 من 4314

قد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا يختلف ولا يتخلف في حكمه وهو إيصاله سالكيه إلى الغاية المقصودة ، وهذه صفة الحق فإن الحق واحد لا يختلف أجزاؤه بالتناقض والتدافع ولا يتخلف في مطلوبه الذي يهدي إليه فالحق صراط مستقيم ، وإذ ذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يهدي إلى الحق كان لازمه هذا الذي ذكره أنه يهدي إلى صراط مستقيم.

ثم إن الذين كفروا لما كانوا كارهين للحق كما ذكره فهم عادلون عن الصراط أي الصراط المستقيم مائلون إلى غيره.

وإنما أورد من أوصافهم عدم إيمانهم بالآخرة واقتصر عليه لأن دين الحق مبني على أساس أن للإنسان حياة خالدة لا تبطل بالموت وله فيها سعادة يجب أن تقتنى بالاعتقاد الحق والعمل الصالح وشقاوة يجب أن تجتنب وهؤلاء لنفيهم الحياة الآخرة يعدلون عن الحق والصراط المستقيم.

وبتقرير آخر: دين الحق مجموع تكاليف اعتقادية وعملية والتكليف لا يتم إلا بحساب وجزاء ، وقد عين لذلك يوم القيامة ، وإذ لا يؤمن هؤلاء بالآخرة لغا الدين عندهم فلا يرون من الحياة إلا الحياة الدنيا المادية ولا يبقى من السعادة عندهم إلا نيل اللذائذ المادية وهو التمتع بالبطن فما دونه ، ولازم ذلك أن يكون المتبع عندهم الهوى وافق الحق أو خالفه.

فمحصل الآيتين أنهم ليسوا بمؤمنين بك لأنك تدعو إلى صراط مستقيم وهم لا هم لهم إلا العدول والميل عنه.

قوله تعالى:"و لو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر"إلى قوله"و ما يتضرعون"اللجاج التمادي والعناد في تعاطي الفعل المزجور عنه ، والعمه التردد في الأمر من التحير ، ذكرهما الراغب ، وفي المجمع ،: الاستكانة الخضوع وهو استفعل من الكون ، والمعنى ما طلبوا الكون على صفة الخضوع.

انتهى.

وقوله:"و لو رحمناهم"بيان وتأييد لنكوبهم عن الصراط بأنا لو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر لم يرجعوا بمقابلة ذلك الشكر بل أصروا على تمردهم عن الحق وتمادوا يترددون في طغيانهم فلا ينفعهم رحمة بكشف الضر كما لا ينفعهم تخويف بعذاب ونقمة فإنا قد أخذناهم بالعذاب فما خضعوا لربهم وما يتضرعون إليه فهؤلاء لا ينفعهم ولا يركبهم صراط الحق لا رحمة بكشف الضر ولا نقمة وتخويف بالأخذ بالعذاب.

والمراد بالعذاب العذاب الخفيف الذي لا ينقطع به الإنسان عن عامة الأسباب بقرينة ما في الآية التالية فلا يرد أن الرجوع إلى الله تعالى عند الاضطرار والانقطاع عن الأسباب من غريزيات الإنسان كما تكرر ذكره في القرآن الكريم فكيف يمكن أن يأخذهم العذاب ثم لا يستكينوا ولا يتضرعوا؟.

وقوله في الآية الأولى:"ما بهم من ضر"وفي الثانية:"و لقد أخذناهم بالعذاب"يدل على أن الكلام ناظر إلى عذاب قد وقع ولما يرتفع حين نزول الآيات ، ومن المحتمل أنه الجدب الذي ابتلي به أهل مكة وقد ورد ذكر منه في الروايات.

قوله تعالى:"حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون"أي هم على حالهم هذه لا ينفع فيهم رحمة ولا عذاب حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد وهو الموت بما يستتبعه من عذاب الآخرة - على ما يعطيه سياق الآيات وخاصة الآيات الآتية - فيفاجئوهم الإبلاس واليأس من كل خير.

وقد ختم هذا الفصل من الكلام أعني قوله:"أ فلم يدبروا القول"إلخ بنظير ما ختم به الفصل السابق أعني قوله:"أ يحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين"إلى آخر الآيات وهو ذكر عذاب الآخرة ، وسيعود إليه ثانيا.

في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون"إلى قوله يؤتون ما آتوا"قال من العبادة والطاعة."

وفي الدر المنثور ، أخرج الفاريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله قول الله:"و الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة"أ هو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: لا ولكن الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه.

وفي المجمع ،: في قوله:"و قلوبهم وجلة"قال أبو عبد الله (عليه السلام) : معناه خائفة أن لا يقبل منهم ، وفي رواية أخرى: أتى وهو خائف راج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت