فهرس الكتاب

الصفحة 3054 من 4314

و هذا هو الذي يشير تعالى إليه بقوله:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": سورة الروم: 30.

فسنة الحياة التي تنتهي بسالكها إلى السعادة الإنسانية طريقة متعينة يقتضيها النظام بالحق وتكشف عنها تجهيزات وجوده بالحق ، وهذا الحق هو القوانين الثابتة غير المتغيرة التي تحكم في النظام الكوني الذي أحد أجزائه النظام الإنساني وتدبره وتسوقه إلى غاياته وهو الذي قضى به الله سبحانه فكان حتما مقضيا.

فلو اتبع الحق أهواءهم فاقتضى لهم من الشرع ما تجازف به أهواؤهم لم يكن ذلك إلا بتغير أجزاء الكون عما هي عليه وتبدل العلل والأسباب غيرها وتغير الروابط المنتظمة إلى روابط جزافية مختلة متدافعة توافق مقتضياتها مجازفات أهوائهم ، وفي ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن في أنفسها والتدبير الجاري فيها لأن كينونتها وتدبيرها مختلطان غير متمايزين ، والخلق والأمر متصلان غير منفصلين.

وهذا هو الذي يشير إليه قوله:"و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن."

وقوله:"بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون"لا ريب أن المراد بالذكر هو القرآن كما قال:"و هذا ذكر مبارك": الأنبياء: 50 ، وقال:"و إنه لذكر لك ولقومك": ، الزخرف: 44 إلى غير ذلك من الآيات ، ولعل التعبير عنه بالذكر بعد قوله:"أم يقولون به جنة"نوع مقابلة لقولهم:"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون": الحجر: 6.

وكيف كان فقد سمي ذكرا لأنه يذكرهم بالله أو يذكر لهم دين الله من الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، والثاني أوفق لصدر الآية بما تقدم من معناه ، وإنما أضيف إليهم لأن الدين أعني الدعوة الحقة مختلفة بالنسبة إلى الناس بالإجمال والتفصيل والذي يذكره القرآن آخر مراحل التفصيل لكون شريعته آخر الشرائع.

والمعنى: لم يتبع الحق أهواءهم بل جئناهم بكتاب يذكرهم - أو يذكرون به - دينهم الذي يختص بهم ويتفرع عليه أنهم عن دينهم الخاص بهم معرضون.

وقال كثير منهم إن إضافة الذكر إليهم للتشريف نظير قوله:"و إنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون": الزخرف: 44 ، والمعنى: بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال فهم بما فعلوه من النكوص عن فخرهم وشرفهم أنفسهم معرضون.

وفيه أنه لا ريب في أن القرآن الكريم شرف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أنزل عليه ولأهل بيته إذ نزل في بيتهم ، وللعرب إذ نزل بلغتهم وللأمة إذ نزل لهدايتهم غير أن الإضافة في الآية ليست لهذه العناية بل لعناية اختصاص هذا الدين بهذه الأمة وهو الأوفق لصدر الآية بالمعنى الذي تقدمت الإشارة إليه.

قوله تعالى:"أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين"، قال في مجمع البيان: ، أصل الخراج والخرج واحد وهو الغلة التي يخرج على سبيل الوظيفة انتهى.

وهذا رابع الأعذار التي ذكرت في هذه الآيات وردت ووبخوا عليها وقد ذكره الله بقوله:"أم تسئلهم خرجا"أي مالا يدفعونه إليك على سبيل الرسم والوظيفة ثم ذكر غنى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"فخراج ربك خير وهو خير الرازقين"أي إن الله هو رازقك ولا حاجة لك إلى خرجهم ، وقد تكرر الأمر بإعلامهم ذلك في الآيات"قل لا أسئلكم عليه أجرا": الأنعام: 90 الشورى: 23.

وقد تمت بما ذكر في الآية أربعة من الأعذار المردودة إليهم وهي مختلفة فأولها"أ فلم يدبروا القول"راجع إلى القرآن والثاني"أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين"إلى الدين الذي إليه الدعوة ، والثالث"أم يقولون به جنة"إلى نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والرابع"أم تسئلهم خرجا"إلى سيرته.

قوله تعالى:"و إنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون"النكب والنكوب العدول عن الطريق والميل عن الشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت