25 سورة الفرقان - 21 - 31
وَقَالَ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئكَةُ أَوْ نَرَى رَبّنَا لَقَدِ استَكْبرُوا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئكَةَ لا بُشرَى يَوْمَئذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا محْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَاءً مّنثُورًا (23) أَصحَب الْجَنّةِ يَوْمَئذٍ خَيرٌ مّستَقَرّا وَأَحْسنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشقّقُ السمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِّلَ المَْلَئكَةُ تَنزِيلًا (25) الْمُلْك يَوْمَئذٍ الْحَقّ لِلرّحْمَنِ وَكانَ يَوْمًا عَلى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَض الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنى اتخَذْت مَعَ الرّسولِ سبِيلًا (27) يَوَيْلَتى لَيْتَنى لَمْ أَتخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (28) لّقَدْ أَضلّنى عَنِ الذِّكرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنى وَكانَ الشيْطنُ لِلانسنِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرّسولُ يَرَب إِنّ قَوْمِى اتخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِك جَعَلْنَا لِكلِّ نَبىٍ عَدُوّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّك هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
تحكي الآيات اعتراضا آخر من المشركين على رسالة الرسول يردون به عليه محصله أنه لو جاز أن يكون من البشر بما هو بشر رسول تنزل عليه الملائكة بالوحي من الله سبحانه أو يراه تعالى فيكلمه وحيا لكان الرسول وسائر البشر سواء في هذه الخصيصة فإن كان ما يدعيه من الرسالة حقا لكنا أو كان البعض منا يرى ما يدعي رؤيته ويجد من نفسه ما يجده.
وهذا الاعتراض مما سبقهم إليه أمم الأنبياء الماضين كما حكاه الله:"قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا": إبراهيم: 10 ، وقد مر تقريبه مرارا.
وهذا مع ما تقدم من اعتراضهم بقولهم:"ما لهذا الرسول يأكل الطعام"إلخ ، بمنزلة حجة واحدة تلزم الخصم بأحد محذورين ومحصل تقريره أن الرسالة التي يدعيها هذا الرسول إن كانت موهبة سماوية واتصالا غيبيا لا حظ فيها للبشر بما هو بشر فلينزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو يجعل له جنة يأكل منها ، وإن كانت خاصة من شأن البشر بما هو بشر أن ينالها يتصف بها فما بالنا لا نجدها في أنفسنا؟ فلو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا.
وقد أجاب الله سبحانه عن الشق الأول بما تقدم تقريره ، وعن الثاني بأنهم سيرون الملائكة لكن في نشأة غير هذه النشأة الدنيوية ، والجواب في معنى قوله:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر: 8 وسيجيء تقريره ، وفي الآيات إشارة إلى ما بعد الموت ويوم القيامة.
قوله تعالى:"و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا"قال في مجمع البيان: ، الرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه ومثله الطمع والأمل ، واللقاء المصير إلى الشيء من غير حائل ، والعتو الخروج إلى أفحش الظلم.
انتهى.
المراد باللقاء الرجوع إلى الله يوم القيامة سمي به لبروزهم إليه تعالى بحيث لا يبقى في البين حائل جهل أو غفلة لظهور العظمة الإلهية كما قال تعالى:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين".
فالمراد بعدم رجائهم اللقاء إنكارهم للمعاد وتكذيبهم بالساعة ولم يعبر عنه بتكذيب الساعة ونحوه كما عبر في الآيات السابقة لمكان ذكرهم مشاهدة الملائكة ورؤية الرب تعالى وتقدس ففيه إشارة إلى أنهم إنما قالوا ما قالوا وطلبوا إنزال الملائكة أو رؤية الرب ليأسهم من اللقاء وزعمهم استحالة ذلك فقد ألزموا بما هو مستحيل على زعمهم.
فقولهم:"لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا"اعتراض منهم على رسالة الرسول أوردوه في صورة التحضيض كقولهم في موضع آخر:"لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين": الحجر: 7 ، وتقرير الحجة كما تقدمت الإشارة إليه أنه لو كانت الرسالة - وهي نزول الملائكة بالوحي أو تكليمه تعالى البشر بالمشافهة - مما يتيسر للبشر نيله ونحن بشر أمثال هذا المدعي للرسالة فما بالنا لا ينزل علينا الملائكة ولا نرى ربنا؟ فهلا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا.