و يؤيد ما ذكرناه من التقرير إطلاق إنزال الملائكة ورؤية الرب من غير أن يقولوا: لو لا أنزل علينا الملائكة فيصدقوك أو نرى ربنا فيصدقك.
على أنهم ذكروا في اعتراضهم السابق نزول الملك ليكون معه نذيرا وفيه تصديقه.
وفي التعبير عنه تعالى بلفظ ربنا نوع تهكم منهم فإن المشركين ما كانوا يرونه تعالى ربا لهم بل كان عندهم أن أربابهم ما كانوا يعبدونهم والله سبحانه رب الأرباب فكأنهم قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنك ترى أن الله ربك وقد حن إليك فخصك بالمشافهة والتكليم ، وأنه ربنا ، فليحن إلينا وليشافهنا بالرؤية كما فعل بك.
على أنهم إنما عدلوا عن عبادة أرباب الأصنام وهم الملائكة وروحانيات الكواكب ونحوهم إلى عبادة الأصنام والتماثيل لتكون محسوسة غير غائبة عن المشاهدة عند العبادة والتقرب بالقرابين.
وقوله تعالى:"لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا"أي أقسم لقد طلبوا الكبر لأنفسهم بغير حق وطغوا طغيانا عظيما.
قوله تعالى:"يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا"في المفردات: ، الحجر الممنوع منه بتحريمه قال تعالى:"و قالوا هذه أنعام وحرث حجر""و يقولون حجرا محجورا"كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك فذكر تعالى أن الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك ظنا إن ذلك ينفعهم.
انتهى.
وعن الخليل كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول: حجرا محجورا أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشر وعن أبي عبيدة: هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة.
فقوله:"يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين""يوم"على ما قيل ظرف لقوله:"لا بشرى"وقوله:"يومئذ"تأكيد له ، والمراد بقوله:"لا بشرى"نفي للجنس ، والمراد بالمجرمين كل متصف بالإجرام غير أن مورد الكلام إجرام الشرك والمجرمون هم الذين لا يرجون اللقاء ، وقد تقدم ذكرهم والمعنى: يوم يرى هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا الملائكة لا بشرى - على طريق نفي الجنس - يومئذ للمجرمين وهم منهم.
وقوله:"و يقولون حجرا محجورا"فاعل يقولون هم المشركون أي يقول المشركون يومئذ للملائكة وهم قاصدوهم بالعذاب: حجرا محجورا أي لنكن في معاذ منكم ، وقيل: ضمير الجمع للملائكة ، والمعنى: ويقول الملائكة للمشركين حراما محرما عليكم سماع البشرى ، أو حراما محرما عليكم أن تدخلوا الجنة أو حراما محرما عليكم أن تتعوذوا من العذاب إلى شيء فلا معاذ لكم هذا ، والمعنى: الأول أقرب إلى السياق.
والآية في موضع الجواب عن قولهم:"لو لا أنزل علينا الملائكة"وقد أعرضت عن جواب قولهم:"أو نرى ربنا"فإن الرؤية التي كانوا يقصدونها بقولهم هي الرؤية البصرية التي تستلزم التجسم والمادية تعالى عن ذلك ، وأما الرؤية بعين اليقين وهي الرؤية القلبية فلم يكونوا ممن يفقه ذلك وعلى تقديره ما كانوا يقصدونه.
وأما توضيح الجواب عن أمر إنزال الملائكة ورؤيتهم فقد أخذ أصل الرؤية مفروغا منه مسلما أن هناك يوما يرون فيه الملائكة غير أنه وضع الإخبار عن وصفهم يوم الرؤية موضع الإخبار عن أصل رؤيتهم للإشارة إلى أن طلبهم لرؤية الملائكة ليس يجري على نفعهم فإنهم لا يرون الملائكة إلا يوم يشافهون عذاب النار وذلك بعد تبدل النشأة الدنيوية من النشأة الأخرى كما أشار إليه في موضع آخر بقوله:"ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين": الحجر: 8 ، فهم في مسألتهم هذه يستعجلون بالعذاب وهم يحسبون أنهم يعجزون الله ورسوله بالحجة.
وأما ما هو هذا اليوم الذي أشير إليه بقوله:"يوم يرون الملائكة"فقد ذكر المفسرون أنه يوم القيامة لكن الذي يعطيه السياق مع ما ينضم إليه من الآيات الواصفة ليوم الموت وما بعده كقوله:"و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون"الآية ،: الأنعام: 93 ، وقوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها": النساء: 97 إلى غير ذلك من الآيات.