فهرس الكتاب

الصفحة 3135 من 4314

أن المراد به الموت وهو المسمى في عرف القرآن برزخا فإن في الآيات دلالة قاطعة على أنهم يرون الملائكة ويشافهونهم بعد الموت قبل يوم القيامة ، والمتعين - على ما يقتضيه طبع المخاصمة - في جواب من يجحد رؤية الملائكة أن يذكر له أول يوم يراهم بما يسوؤه وهو يوم الموت لا أن يخاصم بذكر رؤيتهم يوم القيامة وقوله لهم: حجرا محجورا ، وقد رآهم قبل ذلك وعذب بأيديهم أمدا بعيدا وهو ظاهر.

فالظاهر أن الآية والآيتين التاليتين ناظرة إلى حالهم في البرزخ تصف رؤيتهم للملائكة فيه ، وإحباط أعمالهم فيه ، وحال أهل الجنة التي فيه.

قوله تعالى:"و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا"قال الراغب في المفردات: ، العمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات ، والعمل قلما ينسب إلى ذلك ، ولم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في قولهم: البقر العوامل.

انتهى.

وقال: الهباء دقاق التراب وما انبث في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة.

انتهى.

والنثر التفريق.

والمعنى: وأقبلنا إلى كل عمل عملوه - والعمل هو الذي يعيش به الإنسان بعد الموت - ففرقناه تفريقا لا ينتفعون به كالهباء المنثور ، والكلام مبني على التمثيل مثل به استيلاء القهر الإلهي على جميع أعمالهم التي عملوها لسعادة الحياة وإبطالها بحيث لا يؤثر في سعادة حياتهم المؤبدة شيئا بتشبيهه بسلطان غلب عدوه فحل داره بعد ما ظهر عليه فخرب الدار وهدم الآثار وأحرق المتاع والأثاث فأفنى منه كل عين وأثر.

ولا منافاة بين ما تدل عليه الآية من حبط الأعمال يومئذ وبين ما تدل عليه آيات أخر أن أعمالهم أحبطت حينما عملوها في الدنيا بكفرهم وإجرامهم فإن معنى الإحباط بعد الموت ظهور الحبط لهم بعد ما كان خفيا في الدنيا عليهم وقد تقدم كلام مشبع في معنى الحبط في الجزء الثاني من الكتاب فراجع.

قوله تعالى:"أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا"المراد بأصحاب الجنة المتقون فقد تقدم قوله قبل آيات:"قل أ ذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون"، والمستقر والمقيل اسما مكان من الاستقرار ومعناه ظاهر ومن القيلولة وهي الاستراحة في منتصف النهار سواء كان معها نوم أم لا - على ما قيل - والجنة لا نوم فيه.

وكلمتا"خير"و"أحسن"منسلخان عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى:"و هو أهون عليه": الروم: 27 ، وقوله:"ما عند الله خير من اللهو": الجمعة: 11 كذا قيل ، وليس يبعد أن يقال: إن"أفعل"أو ما هو في معناه كخير بناء على ما رجحنا أنه صفة مشبهة تدل على التفضيل بمادته لا بهيئته في مثل هذه الموارد غير منسلخ عن معنى التفضيل والعناية في ذلك أنهم لما اختاروا الشرك والإجرام واستحسنوا ذلك ولازمه النار في الآخرة فقد أثبتوا لها خيرية وحسنا فقوبلوا بأن الجنة وما فيها خير وأحسن حتى على لازم قولهم فعليهم أن يختاروها على النار وأن يختاروا الإيمان على الكفر على أي حال ، وقيل: إن التفضيل مبني على التهكم.

قوله تعالى:"و يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا"الظاهر أن الظرف منصوب بفعل مقدر ، والمعنى واذكر يوم كذا وكذا فإنهم يرون الملائكة فيه أيضا وهذا اليوم هو يوم القيامة بدليل قوله بعد:"الملك يومئذ الحق للرحمن"، وقيل في متعلق الظرف وجوه أخر لا فائدة في نقلها.

و"تشقق"أصله تتشقق من باب التفعل من الشق بمعنى الخرم والتشقق التفتح ، والغمام السحاب سمي به لستره ضوء الشمس مأخوذ من الغم بمعنى الستر.

والباء في قوله:"تشقق السماء بالغمام"إما للملابسة والمعنى تتفتح السماء متلبسة بالغمام أي متغيمة ، وإما بمعنى عن والمعنى تتفتح عن الغمام أي من قبل الغمام أو تشققه.

وكيف كان فظاهر الآية أن السماء تنشق يوم القيامة بما عليها من الغمام الساتر لها ونزل منها الملائكة الذين هم سكانها فيشاهدونهم فالآية قريبة المعنى من قوله في موضع آخر:"و انشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها": الحاقة: 17.

وليس من البعيد أن يكون الكلام كناية عن انكشاف غمة الجهل وبروز عالم السماء وهو من الغيب وبروز سكانها وهم الملائكة ونزولهم إلى العالم الأرضي موطن الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت