فهرس الكتاب

الصفحة 3136 من 4314

و قيل: المراد أن السماء يشقها الغمام وهو الذي يذكره في قوله:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور": البقرة: 210 ، وقد مر كلام في تفسير الآية.

والتعبير عن الواقعة بالتشقق دون التفتح وما يماثله للتهويل ، وكذا التنوين في قوله:"تنزيلا"للدلالة على التفخيم.

قوله تعالى:"الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا"أي الملك المطلق يومئذ حق ثابت للرحمن وذلك لبطلان الأسباب وزوال ما بينها وبين مسبباتها من الروابط المتنوعة ، وقد تقدم غير مرة أن المراد بذلك في يوم القيامة هو ظهور أن الملك والحكم لله والأمر إليه وحده ، وأن لا استقلال في شيء من الأسباب على خلاف ما كان يتراءى من ظاهر حالها في نشأة الدنيا قبل قيام الساعة ورجوع كل شيء إليه تعالى.

وقوله:"و كان يوما على الكافرين عسيرا"الوجه فيه ركونهم إلى ظواهر الأسباب وإخلادهم إلى الحياة الأرضية البائدة الداثرة وانقطاعهم عن السبب الحقيقي الذي هو مالك الملك بالحقيقة وعن حياتهم الباقية المؤبدة فيصبحون اليوم ولا ملاذ لهم ولا معاذ.

فعلى هذا يكون الملك مبتدأ والحق خبره عرف لإفادة الحصر ، ويومئذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدإ ، وفائدة التقييد الدلالة على ظهور حقيقة الأمر يومئذ فإن حقيقة الملك لله سبحانه دائما ، وإنما يختلف يوم القيامة مع غيره بزوال الملك الصوري عن الأشياء فيه وثبوته لها في غيره.

وقال بعضهم: الملك بمعنى المالكية ويومئذ متعلق به والحق خبر الملك ، وقيل: يومئذ متعلق بمحذوف هو صفة للحق ، وقيل: المراد بيومئذ هو يوم الله ، وقيل: يومئذ هو الخبر للملك والحق صفة للمبتدإ ، وهذه أقوال ردية لا جدوى لها.

قوله تعالى:"و يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا"قال الراغب في المفردات: ، العض أزم بالأسنان ، قال تعالى:"عضوا عليكم الأنامل"و"و يوم يعض الظالم"وذلك عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك.

انتهى.

ولذلك يتمنى عنده ما فات من واجب العمل كما حكى الله تعالى عنهم قولهم:"يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا".

والظاهر أن المراد بالظالم جنسه وهو كل من لم يهتد بهدى الرسول ، وكذا المراد بالرسول جنسه وإن انطبق الظالم بحسب المورد على ظالمي هذه الأمة والرسول على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والمعنى: واذكر يوم يندم الظالم ندما شديدا قائلا من فرط ندمه يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ما إلى الهدى أي سبيل كانت.

قوله تعالى:"يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا"تتمة تمني الظالم النادم على ظلمه ، وفلان كناية عن العلم المذكر وفلانة عن العلم المؤنث قال الراغب: فلان وفلانة كنايتان عن الإنسان والفلان والفلانة - باللام - كنايتان عن الحيوانات.

انتهى.

والمعنى: يا ويلتى - يا هلاكي - ليتني لم أتخذ فلانا - وهو من اتخذه صديقا يشاوره ويسمع منه ويقلده - خليلا.

وذكر بعضهم: أن فلانا في الآية كناية عن الشيطان ، وكأنه نظرا إلى ما في الآية التالية من حديث خذلان الشيطان للإنسان غير أن السياق لا يساعد عليه.

ومن لطيف التعبير قوله في الآية السابقة:"يا ليتني اتخذت"إلخ وفي هذه الآية:"يا ويلتى ليتني لم أتخذ"إلخ فإن في ذلك تدرجا لطيفا في النداء والاستغاثة فحذف المنادى في الآية السابقة يلوح إلى أنه يريد أي منج ينجيه مما هو فيه من الشقاء وذكر الويل بعد ذلك - في هذه الآية يدل على أنه بان له أن لا يخلصه من العذاب شيء قط إلا الهلاك والفناء ، ولذلك نادى الويل.

قوله تعالى:"لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا"تعليل للتمني السابق والمراد بالذكر مطلق ما جاءت به الرسل أو خصوص الكتب السماوية وينطبق بحسب المورد على القرآن.

وقوله:"و كان الشيطان للإنسان خذولا"من كلامه تعالى ويمكن أن يكون تتمة لكلام الظالم ذكره تأسفا وتحسرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت