فهرس الكتاب

الصفحة 2091 من 4314

على أن فيه أمرا للمؤمنين أن يهتدوا في إيمانهم ويقينهم بأمر فرضي غير واقع وكلامه تعالى يجل عن ذلك ، ولو أريدت الدلالة على أنهم غير قادرين على ذلك وإن دعوا شركاءهم إلى المعارضة كان من حق الكلام أن يقال: فإن لم يستجيبوا لكم ولن يستجيبوا فاعلموا إلخ ، كما قيل كذلك في نظيره قال تعالى:"و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين:"البقرة: - 24.

قوله تعالى:"من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون"التوفية إيصال الحق إلى صاحبه وإعطاؤه له بكماله ، والبخس نقص الأجر.

وفي الآية تهديد لهؤلاء الذين لا يخضعون للحق لما جاءهم ولا يسلمون له إيثارا للحياة الدنيا ونسيانا للآخرة ، وبيان لشيء من سنة الأسباب القاضية عليهم باليأس من نعيم الحياة الآخرة.

وذلك أن العمل كيفما كان فإنما يسمح للإنسان بالغاية التي أرادها به وعمله لأجلها ، - فإن كانت غاية دنيوية تصلح شئون الحياة الدنيا من مال وجمال وحسن حال ساقه العمل - إن أعانته سائر الأسباب العاملة - إلى ما يرجوه بالعمل وأما الغايات الأخروية فلا خبر عنها لأنها لم تقصد حتى تقع ، ومجرد صلاحية العمل لأن يقع في طريق الآخرة وينفع في الفوز بنعيمها كالبر والإحسان وحسن الخلق لا يوجب الثواب وارتفاع الدرجات ما لم يقصد به وجه الله ودار ثوابه.

ولذلك عقبه بقوله تعالى:"أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون"فأخبر أنهم إذا وردوا الحياة الآخرة وقعوا في دار حقيقتها أنها نار تأكل جميع أعمالهم في الحياة كما تأكل النار الحطب وتبير وتهلك كل ما تطيب به نفوسهم من محاسن الوجود ، وتحبط جميع ما صنعوا فيها وتبطل ما أسلفوا من الأعمال في الدنيا ، ولذلك سماها سبحانه في موضع آخر بدار البوار أي الهلاك فقال تعالى:"أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها:"إبراهيم: - 29 ، وبذلك يظهر أن كلا من قوله:"و حبط ما صنعوا فيها"وقوله:"و باطل ما كانوا يعملون"يفسر قوله:"أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار"نوعا ما من التفسير.

وبما تقدم يظهر أولا: أن المراد من توفية أعمالهم إليهم توفية نتائجها وإيصال الآثار التي لها بحسب نظام الأسباب والمسببات لا ما يقصده الفاعل بفعله ويرجوه بمسعاه فإن الذي يناله الفاعل في هذه النشأة بفعله هو نتيجة الفعل التي يعينه سائر الأسباب العاملة عليها لا ما يؤمه الفاعل كيفما كان فما كل ما يتمنى المرء يدركه.

وقد عبر تعالى عن هذه الحقيقة في موضع آخر بقوله:"و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب:"الشورى: - 20 ، فقال تعالى:"نؤته منها"ولم يقل: نؤته إياها ، وقال في موضع آخر:"من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا:"إسراء: - 18 فذكر ما يريده الإنسان من الدنيا ويناله منها وزاد بيانا أنه ليس كل من يريد أمرا يناله ولا كل ما يراد ينال بل الأمر إلى الله سبحانه يعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء ويقدم من يريد ويؤخر من يريد على ما تجري عليه سنة الأسباب.

وثانيا: أن الآيتين أعني قوله:"من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم"إلى آخر الآيتين تبينان حقيقة من الحقائق الإلهية.

في الكافي ،: في قوله تعالى:"ألا إنهم يثنون صدورهم"الآية: بإسناده عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن سدير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حول البيت طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا وغطى رأسه بثوب لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله:"ألا إنهم يثنون"الآية.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رزين قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشي بثوبه.

وفي المجمع ، روي عن علي بن الحسين وأبي جعفر وجعفر بن محمد (عليهما السلام) : يثنوني على يعفوعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت