و ثانيهما: أنه إذا صح أن القرآن حق نازل من عند الله صادق فيما يخبر به ، ومما يخبر به أنه ليس مع الله إله آخر علم بذلك أنه لا إله إلا الله سبحانه.
وقوله:"فهل أنتم مسلمون"أي لما علمتم واتضح لكم من جهة عدم استجابة شركائكم من دون الله وعجزكم عن المعارضة فهل أنتم مسلمون لما وقع عليه علمكم هذا من توحيد الله سبحانه وكون هذا القرآن كتابا نازلا بعلمه؟ وهو أمر بالإسلام في صورة الاستفهام هذا كله ما يقتضيه ظاهر الآية.
وقيل: إن الخطاب في قوله:"فإن لم يستجيبوا لكم"إلخ ، للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خوطب بلفظ الجمع تعظيما له وتفخيما لشأنه وضمير الجمع الغائب راجع إلى المشركين أي فإن لم يستجب المشركون لما دعوتهم أيها النبي إليه من المعارضة فاعلم أنه منزل بعلم الله وأن الله واحد فهل أنت مسلم لأمره.
وفيه أنه قد صح أن التعظيم بلفظ الجمع والكثرة يختص في الكلام العربي بالمتكلم وأما الخطاب والغيبة فلا تعظيم فيها بلفظ الجمع.
مضافا إلى أن استناد الوحي الإلهي والتكليم الرباني إليه تعالى استناد ضروري لا يقبل الشك حتى يستعان عليه بالدليل فما يتلقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دلالته على كونه كلاما من الله دلالة ضرورية غير محتاجة إلى حجة حتى يحتج عليه بعدم إجابة المشركين إلى معارضة القرآن وعجزهم عنها بخلاف كلام المخلوقين من الإنسان والجن والملك وأي هاتف آخر فإنه يحتاج في حصول العلم باستناده إلى متكلمه إلى دليل خارجي من حسن أو عقل ، وقد تقدمت إشارة إلى ذلك في قصة زكريا من سورة آل عمران ، وسيجيء البحث المستوفى عن ذلك فيما يناسبه من المورد إن شاء الله تعالى.
على أن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل قوله:"و أن لا إله إلا هو"، وقوله:"فهل أنتم مسلمون"لا يخلو عن بشاعة.
على أن نفس الاستدلال أيضا غير تام كما سنبين.
وقيل: إن الخطاب في الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعا أو للمؤمنين خاصة لأن المؤمنين يشاركونه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدعوة الدينية والتحدي بالقرآن الذي هو كتاب ربهم المنزل عليهم والمعنى: فإن لم يستجب المشركون لكم في المعارضة فاعلموا أن القرآن منزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل تسلمون أنتم لله؟.
ولما تفطن بعضهم أن لا معنى لدعوة المؤمنين وهم مؤمنون بالله وحده وبكتابه إلى العلم بأنه كتاب نازل من عند الله وبأنه تعالى واحد لا شريك له أصلحه بأن المراد فاثبتوا على علمكم أنه إنما أنزل بعلم الله وازدادوا به إيمانا ويقينا وأنه لا إله إلا هو ولا يستحق العبادة سواه فهل أنتم ثابتون على إسلامكم والإخلاص فيه؟.
وفيه أنه تقييد للآية من غير مقيد والحجة غير تامة وذلك أن المشركين لو كانوا وقفوا موقف المعارضة بما عندهم من البضاعة واستعانوا عليها بدعوة آلهتهم وسائر من يطمعون فيه من الجن والإنس ثم عجزوا كان ذلك دليلا واضحا يدلهم على أن القرآن فوق كلام البشر وتمت بذلك الحجة عليهم ، وأما عدم استجابة الكفار للمعارضة فليس يدل على كونه من عند الله لأنهم لم يأتمروا بما أمروا به بقوله:"فأتوا بعشر سور مثله مفتريات"إما لعلمهم بأنه كلام الله الحق وإنما كان قولهم:"افتراه"قولا ناشئا عن العناد واللجاج لا عن إذعان به أو شك فيه ، أو لأنهم كانوا آيسين من استجابة شركائهم للدعوة على المعارضة ، أو لأنهم كانوا هازلين في قولهم ذلك يهذرون هذرا.
وبالجملة عدم استجابة المشركين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو للمؤمنين أو لهم جميعا لا يدل بنفسه على كون القرآن نازلا من عند الله إلا إذا كان عدم الاستجابة المذكورة بعد تحقق دعوتهم شركاءهم إلى المعارضة وعدم استجابتهم لهم ، ولم يتحقق من المشركين دعوة على هذه الصفة ، ومجرد عدم استجابة المشركين أنفسهم لا ينفع شيئا ، ولا يبقى إلا أن يقال: إن معنى الآية: فإن دعا المشركون من استطاعوا من دون الله فلم يستجيبوا لهم ولم يستجب المشركون لكم أيها النبي ومعاشر المؤمنين فاعلموا أنما أنزل بعلم الله إلخ ، وهذا هو الذي أومأنا إليه آنفا أنه تقييد للآية من غير مقيد.