و لم يقل فيما تحدى به: فليأتوا بحديث أبلغ منه أو أحسن أو بسورة هي أبلغ أو أحسن حتى يقال: إن القرآن أبلغ كلام بشري أو أحسنه ليس هناك ما هو أبلغ أو أحسن منه حتى يأتي به آت فلا يدل عدم القدرة على الإتيان بذلك على كونه كلاما لغير البشر ، بل إنما قال:"فليأتوا بحديث مثله""قل فأتوا بسورة مثله"وهكذا وفي وسع البشر الإتيان بمثل كلام غيره من البشر وإن فرض كون ذلك الغير ذا موقف من الكلام لا يعارضه غيره على ما بيناه فالشبهة مندفعة بقوله تعالى"مثله".
قوله تعالى:"فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون"إجابة الدعوة واستجابتها بمعنى.
والظاهر من السياق أن الخطاب في الآية للمشركين ، وأنه من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر بقوله تعالى:"قل"إن يلقيه إليهم ، وعلى هذا فضمير الجمع في قوله:"لم يستجيبوا"راجع إلى الآلهة وكل من استعانوا به المدلول عليهم بقوله:"و ادعوا من استطعتم من دون الله".
والمعنى: فإن لم يستجب لكم معاشر المشركين هؤلاء الذين دعوتموهم من آلهتكم ومن بلغاء أهل لسانكم العارفين بأساليب الكلام وعلماء أهل الكتاب الذين عندهم الكتب السماوية وأخبار الأنبياء والأمم والكهنة المستمدين من إلقاء شياطين الجن ، وجهابذة العلم والفهم من سائر الناس المتعمقين في المعارف الإنسانية بأطرافها فاعلموا أنما أنزل هذا القرآن بعلم الله ولم يختلق عن علمي أنا ولا غيري ممن تزعمون أنه يعلمني ويملي علي ، واعلموا أيضا أن ما أدعوكم إليه من التوحيد حق فإنه لو كان هناك إله من دون الله لنصركم على ما دعوتموه إليه فهل أنتم أيها المشركون مسلمون لله تعالى منقادون لأمره؟.
فقوله تعالى:"فإن لم يستجيبوا لكم"في معنى قولنا: فإن لم تقدروا على المعارضة بعد الاستعانة والاستمداد بمن استطعتم أن تدعوهم من دون الله ، وذلك أن الأسباب التي توجب قدرتهم على المعارضة هي ما عندهم من قدرة البيان وقريحة البلاغة وهم يرون أن ذلك من مواهب آلهتهم من دون الله وكذا ما عند آلهتهم مما لم يهبوهم بعد ، ولهم أن يؤيدوهم به إن شاءوا على زعمهم ، وأيضا ما عند غير آلهتهم من المدد ، وإذا لم يستجبهم الذين يدعونهم في معارضة القرآن فقد ارتفع جميع الأسباب الموجبة لقدرتهم وارتفعت بذلك قدرتهم فعدم إجابته الشركاء على معارضة القرآن ملازم لعدم قدرتهم عليها حتى بما عند أنفسهم من القدرة ففي الكلام كناية.
وقوله:"فاعلموا أنما أنزل بعلم الله"الظاهر أن المراد بعلم الله هو العلم المختص به وهو الغيب الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه إلا بإذنه كما قال تعالى:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه:"النساء: - 166 ، وقال:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك:"يوسف: - 102 ، وقال:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول:"الجن: - 27 ، وقال:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين:"الواقعة: - 80.
فالمعنى: فإن لم تقدروا على معارضته بأي سبب ممد تعلقتم به من دون الله فتيقنوا أنه لم ينزل إلا عن سبب غيبي وأنه من أنباء الغيب الذي يختص به تعالى فهو الذي أنزله علي وكلمني به وأراد تفهيمي وتفهيمكم بما فيه من المعارف الحقة وذخائر الهداية.
وذكر بعضهم أن المراد به أنه إنما أنزل على علم من الله بنزوله وشهادة منه له ، وذكر آخرون أن المراد أنه إنما أنزل بعلم من الله أنه لا يقبل المعارضة أو بعلم من الله بنظمه وترتيبه ولا يعلم غيره ذلك وهذه معان واهية بعيدة عن الفهم.
والجملة أعني قوله:"إنما أنزل بعلم الله"إحدى النتيجتين المأخوذتين من عدم استجابة شركائهم لهم.
والنتيجة الأخرى قوله:"و أن لا إله إلا هو"ولزوم هذه النتيجة من وجهين: أحدهما: أنهم إذا دعوا آلهتهم لما يهمهم من الأمور فلم يجيبوهم كشف ذلك عن أنهم ليسوا بآلهة فليس الإله إلا من يجيب المضطر إذا دعاه وخاصة إذا دعاه لما فيه نفع الإله المدعو فإن القرآن الذي أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقطع دابرهم ويميت ذكرهم ويصرف الناس عن التوجه إليهم فإذا لم يجيبوا أولياءهم إذا دعوهم لمعارضة كتاب هذا شأنه كان ذلك من أوضح الدليل على نفي ألوهيتهم.