فهرس الكتاب

الصفحة 2088 من 4314

و لعل الوجه في ذلك أن نوع العناية في الآية المبحوث عنها غير نوع العناية في سائر آيات التحدي فإن العناية في سائر الآيات متعلقة بأنهم لا يقدرون على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل السورة لما أنه قرآن مشتمل على جهات لا تتعلق بها قدرة الإنسان ولا يظهر عليها غيره تعالى وقد أطلق القول فيها إطلاقا.

وأما هذه الآية فلما عقبت بقوله:"فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله"دل ذلك على أن التحدي فيها إنما هو بكون القرآن متضمنا لما يختص علمه بالله تعالى ولا سبيل لغيره إليه ، وهذا أمر لا يقبل الافتراء بذاته فكأنه قيل: إن هذا القرآن لا يقبل بذاته افتراء فإنه متضمن لأمور من العلم الإلهي الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه ، وإن ارتبتم في ذلك فأتوا بعشر سور مثله مفتريات تدعون أنها افتراء ، واستعينوا بمن استطعتم من دون الله فإن لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من العلم المخصوص به تعالى.

فافهم ذلك.

وثانيهما: معنى التحدي بالمثل حيث قيل:"بمثل هذا القرآن""بحديث مثله""بسورة مثله""بعشر سور مثله"والوجه الظاهر فيه أن الكلام لما كان آية معجزة فلو أتى إنسان بما يماثله لكفى في إبطال كونه آية معجزة ولم يحتج إلى الإتيان بما يترجح عليه في صفاته ويفضل عليه في خواصه.

وربما يورد عليه أن عدم قدرة غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك لا يدل على كونه معجزة غير مستندة إليه لأن صفات الكمال التي توجد في النوع الإنساني كالبلاغة والكتابة والشجاعة والسخاء وغيرها لها مراتب متفاوتة مختلفة يفضل بعضها على بعض ، وإذا كان كذلك كان من المراتب ما هو فوق الجميع وهو غاية ما يمكن أن ترتقي إليه النفس الإنسانية البتة.

فكل صفة من صفات الكمال يوجد بين الأفراد الموصوفين بها من هو حامل للدرجة العليا والغاية القصوى منها بحيث لا يعدله غيره ولا يعارضه أحد ممن سواه فبالضرورة بين أفراد الإنسان عامة من هو أبلغهم أو أكتبهم أو أشجعهم أو أسخاهم كما أن بينهم من هو أطولهم قامة وأكبرهم جثة ، ولم لا يجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح الناس جميعا وأبلغهم والقرآن من كلامه الذي لا يسع لأحد أن يعارضه فيه لوقوفه موقفا ليس لغيره فيه موضع قدم فلا؟ يكون عندئذ عجز غيره عن الإتيان دليلا على كونه كلاما إلهيا غير بشري لجواز كونه كلاما بشريا مختصا به (صلى الله عليه وآله وسلم) مضنونا عن غيره.

هذا.

ويدفعه أن الصفات الإنسانية التي يقع فيها التفاضل وإن كانت على ما ذكر لكنها أياما كانت فهي مما تسمح بها الطبيعة الإنسانية بما أودع الله فيها من الاستعداد من غير أن تنشأ عن اتفاق ومن غير سبب يمكن الفرد الموصوف من الاتصاف بها.

وإذا كان كذلك وفرض فرد من الإنسان اختص بصفة فاضلة لا يعدله غيره ولا يفوقه سواه كان لغيره أن يسلك ما مهده من السبيل ويتعود بالتمرن والتدرب والارتياض بما يأتيه من الأعمال التي تصدر عما عنده من صفة الكمال فيأتي بما يماثل بعض ما يختص به من الكمال ويقلده في نبذة من أعماله وإن لم يقدر على أن يزاحمه في الجميع ويماثله في الكل ، ويبقى للفرد النابغ المذكور مقام الأصالة والسبقة والتقدم في ذلك فالحاتم مثلا وإن كان هو المتفرد غير المعارض في سخائه وجوده من غير أن يسع غيره أن يتقدم عليه ويسبقه لكن من الممكن أن يرتاض مرتاض في سبيله فيتمرن ويتدرب فيه فيأتي بشيء من نوع سخائه وجوده وإن لم يقدر على مزاحمته في الجميع وفي أصل مقامه ، والكمالات الإنسانية التي هي منابع للأعمال سبيلها جميعا هذا السبيل ، ويتمكن الإنسان بالتمرن والتدرب على سلوك سبيل السابقين المبدعين فيها والإتيان بشيء من أعمالهم وإن لم يسع مزاحمتهم في أصل موقفهم.

فلو كان القرآن من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على فرض أنه أبلغ إنسان وأفصحه كان من الجائز أن يهتم غيره فيتمرن على سلوك ما أبدعه في كلامه من النظم البديع فيقدر على تقليده في شيء من الكلام وإتيان شيء من القول بسورة مثله وإن لم يقدر على تقليد القرآن كله والإتيان بجميعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت