و لو لا ذلك لم يتم التحدي بالآيات القرآنية وكان للخصم أن يختار من مفردات الآيات عددا ذا كثرة كقوله تعالى:"و الضحى""و العصر""و الطور""في كتاب مكنون""مدهامتان""الحاقة""ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة""الرحمن""ملك الناس""إله الناس""و خسف القمر""كلا والقمر""سندع الزبانية"إلى غير ذلك من مفردات الآيات ثم يقابل كلا منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير أن يضمن ارتباط بعضها ببعض واشتمالها على غرض يجمعها ويخرجها في صورة الوحدة.
فالذي كلف به الخصم في هذه التحديات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن مضافا إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الإلهية المشتملة على أغراض منعوته بالنعوت التي ذكرها الله سبحانه.
والكلام الإلهي مع ما تحدى به في آيات التحدي يختلف بحسب ما يظهر من خاصته فمجموع القرآن الكريم يختص بأنه كتاب فيه ما يحتاج إليه نوع الإنسان إلى يوم القيامة من معارف أصلية وأخلاق كريمة وأحكام فرعية ، والسورة من القرآن تختص ببيان جامع لغرض من الأغراض الإلهية المتعلقة بالهدى ودين الحق على بلاغتها الخارقة وهذه خاصة غير الخاصة التي يختص بها مجموع القرآن الكريم ، والعدة من السور كالعشر والعشرين منها تختص بخاصة أخرى وهي بيان فنون من المقاصد والأغراض والتنوع فيها فإنها أبعد من احتمال الاتفاق فإن الخصم إذا عجز عن الإتيان بسورة واحدة كان من الممكن أن يختلج في باله أن عجزه عن الإتيان بها إنما يدل على عجز الناس عن الإتيان بمثلها لا على كونها نازلة من عند الله موحاة بعلمه فمن الجائز أن يكون كسائر الصفات والأعمال الإنسانية التي من الممكن في كل منها أن يتفرد به فرد من بين أفراد النوع اتفاقا لتصادق أسباب موجبة لذلك كفرد من الإنسان موصوف بأنه أطول الأفراد أو أكبرهم جثة أو أشجعهم أو أسخاهم أو أجبنهم أو أبخلهم.
وهذا الاحتمال وإن كان مدفوعا عن السورة الواحدة من القرآن أيضا التي يقصدها الخصم بالمعارضة فإنها كلام بليغ مشتمل على معان حقة ذات صفات كريمة خالية عن مادة الكذب ، وما هذا شأنه لا يقع عن مجرد الاتفاق والصدفة من غير أن يكون مقصودا في نفسه ذا غرض يتعلق به الإرادة.
إلا أنه أعني ما مر من احتمال الاتفاق والصدفة عن السور المتعددة أبعد لأن إتيان السورة بعد السورة وبيان الغرض بعد الغرض والكشف عن خبيىء بعد خبيىء لا يدع مجالا لاحتمال الاتفاق والصدفة وهو ظاهر.
إذا تبين ما ذكرناه ظهر أن من الجائز أن يكون التحدي بمثل قوله:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا:"إسراء: - 88 واردا مورد التحدي بجميع القرآن لما جمع فيه من الأغراض الإلهية ويختص بأنه جامع لعامة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة ، وقوله:"قل فأتوا بسورة مثله"لما فيها من الخاصة الظاهرة وهي أن فيها بيان غرض تام جامع من أغراض الهدى الإلهي بيانا فصلا من غير هزل ، وقوله:"قل فأتوا بعشر سور"تحديا بعشر من السور القرآنية لما في ذلك من التفنن في البيان والتنوع في الأغراض من جهة الكثرة ، والعشرة من ألفاظ الكثرة كالمائة والألف قال تعالى:"يود أحدهم لو يعمر ألف سنة:"البقرة: - 96.
فالمراد بعشر سور - والله أعلم - السور الكثيرة الحائزة لبعض مراتب الكثرة المعروفة بين الناس فكأنه قيل: فأتوا بعده من سورها ولتكن عشرا ليظهر به أن تنوع الأغراض القرآنية في بيانه المعجز ليس إلا من قبل الله.
وأما قوله:"فليأتوا بحديث مثله"فكأنه تحد بما يعم التحديات الثلاثة السابقة فإن الحديث يعم السورة والعشر سور والقرآن كله فهو تحد بمطلق الخاصة القرآنية وهو ظاهر.
بقي هنا أمران أحدهما أنه: لم يقع في شيء من آيات التحدي المذكورة توصيف ما يأتي به الخصم بالافتراء إلا في هذه الآية إذ قيل فيها:"فأتوا بعشر سور مثله مفتريات"بخلاف قوله:"فأتوا بسورة مثله"فلم يقل فيه:"فأتوا بسورة مثله مفتراة"وكذا في سائر آيات التحدي.