و فيما قدمناه كفاية عن تفاريق الوجوه التي أوردوها في تفسير الآية والله الهادي.
قوله تعالى:"إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون"قال الراغب في المفردات ،: الوراثة والإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد وسمي بذلك المنتقل عن الميت - إلى أن قال - ويقال: ورثت مالا عن زيد وورثت زيدا.
انتهى.
والآية - كأنها - تثبيت ونوع تقريب لقوله في الآية السابقة:"قضي الأمر"فالمعنى وهذا القضاء سهل يسير علينا فإنا نرث الأرض وإياهم وإلينا يرجعون ووراثة الأرض أنهم يتركونها بالموت فيبقى لله تعالى ووراثة من عليها أنهم يموتون فيبقى ما بأيديهم لله سبحانه ، وعلى هذا فالجملتان"نرث الأرض ومن عليها"في معنى جملة واحدة"نرث عنهم الأرض".
ويمكن أن نحمل الآية على معنى أدق من ذلك وهو أن يراد أن الله سبحانه هو الباقي بعد فناء كل شيء فهو الباقي بعد فناء الأرض يملك عنها ما كانت تملكه من الوجود وآثار الوجود وهو الباقي بعد فناء الإنسان يملك ما كان يملكه كما قصر الملك لنفسه في قوله:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 ، وقوله:"و نرثه ما يقول ويأتينا فردا": مريم: 84.
ويرجع معنى هذه الوراثة إلى رجوع الكل وحشرهم إليه تعالى فيكون قوله:"و إلينا يرجعون"عطف تفسير وبمنزلة التعليل للجملة الثانية أو لمجموع الجملتين بتغليب أولي العقل على غيرهم أو لبروز كل شيء يومئذ أحياء عقلاء.
وهذا الوجه أسلم من شبهة التكرار اللازم للوجه الأول فإن الكلام عليه نظير أن يقال ورثت مال زيد وزيدا.
واختتام الكلام على قصة عيسى (عليه السلام) بهذه الآية لا يخلو عن مناسبة فإن وراثته تعالى من الحجج على نفي الولد فإن الولد إنما يراد ليكون وارثا لوالده فالذي يرث كل شيء في غنى عن الولد.
في المجمع ،: وروي عن الباقر (عليه السلام) : أنه يعني جبرئيل تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم وهي حامل محج مثقل فنظرت إليها خالتها فأنكرتها ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريا ، وقيل: كانت مدة حملها تسع ساعات: وهذا مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) .
أقول: وفي بعض الروايات أن مدة حملها كانت ستة أشهر.
وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"قالت يا ليتني مت قبل هذا"الآية وإنما تمنت الموت إلى أن قال وروي عن الصادق (عليه السلام) : لأنها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزهها من السوء.
وفيه ،: في قوله تعالى:"قد جعل ربك تحتك سريا"قيل: ضرب جبرئيل برجله فظهر ماء عذب وقيل: بل ضرب عيسى برجله فظهرت عين ماء تجري: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) .
وفي الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه عن البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : في قوله:"قد جعل ربك تحتك سريا"قال النهر.
أقول: وفي رواية أخرى فيه عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه نهر أخرجه الله لها لتشرب منه.
وفي الخصال ، عن علي (عليه السلام) من حديث الأربعمائة: ما تأكل الحامل من شيء ولا تتداوى به أفضل من الرطب قال الله تعالى لمريم:"و هزي إليك بجذع النخلة - تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي - وقري عينا".
أقول: وهذا المعنى مروي في عدة روايات من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن طرق الشيعة عن الباقر (عليه السلام) .
وفي الكافي ، بإسناده عن جراح المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده. ثم قال: قالت مريم:"إني نذرت للرحمان صوما"أي صوما صمتا وفي نسخة أي صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا.
الحديث.
وفي كتاب سعد السعود ، لابن طاووس من كتاب عبد الرحمن بن محمد الأزدي: وحدثني سماك بن حرب عن المغيرة بن شعبة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه إلى نجران فقالوا: أ لستم تقرءون:"يا أخت هارون"وبينهما كذا وكذا؟ فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أ لا قلت لهم: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين منهم.