قوله تعالى:"يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن"إلخ ،"يوم"ظرف لقوله السابق:"لتبعثن ثم لتنبؤن"إلخ ، والمراد بيوم الجمع يوم القيامة الذي يجمع فيه الناس لفصل القضاء بينهم قال تعالى:"و نفخ في الصور فجمعناهم جمعا": الكهف: 99 ، وقد تكرر في القرآن الكريم حديث الجمع ليوم القيامة ، ويفسره أمثال قوله تعالى:"إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": الجاثية: 17 ، وقوله:"فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": البقرة: 113 ، وقوله:"إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": السجدة: 25 ، فالآيات تشير إلى أن جمعهم للقضاء بينهم.
وقوله:"ذلك يوم التغابن"قال الراغب: الغبن أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء.
قال: ويوم التغابن يوم القيامة لظهور الغبن في المعاملة المشار إليها بقوله:"و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله"وبقوله:"إن الله اشترى من المؤمنين"الآية ، وبقوله:"الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا"فعلموا أنهم غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعا.
وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقال: تبدو الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في الدنيا.
انتهى موضع الحاجة.
وما ذكره أولا مبني على تفسير التغابن بسريان المغبونية بين الكفار بأخذهم لمعاملة خاسرة وتركهم معاملة رابحة ، وهو معنى حسن غير أنه لا يلائم معنى باب التفاعل الظاهر في فعل البعض في البعض.
وما نقله عن بعضهم وجه ثان لا يخلو من دقة ، ويؤيده مثل قوله تعالى:"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": الم السجدة: 17 ، وقوله:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق: 35 ، وقوله:"و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون": الزمر: 47.
ومقتضى هذا الوجه عموم التغابن لجميع أهل الجمع من مؤمن وكافر أما المؤمن فلما أنه لم يعمل لآخرته أكثر مما عمل ، وأما الكافر فلأنه لم يعمل أصلا ، والوجه المشترك بينهما أنهما لم يقدرا اليوم حق قدره.
ويرد على هذا الوجه ما يرد على سابقه.
وهناك وجه ثالث وهو أن يعتبر التغابن بين أهل الضلال متبوعيهم وتابعيهم فالمتبوعون وهم المستكبرون يغبنون تابعيهم وهم الضعفاء حيث يأمرونهم بأخذ الدنيا وترك الآخرة فيضلون ، والتابعون يغبنون المتبوعين حيث يعينونهم في استكبارهم باتباعهم فيضلون ، فكل من الفريقين غابن لغيره ومغبون من غيره.
وهناك وجه رابع وردت به الرواية وهو أن لكل عبد منزلا في الجنة لو أطاع الله لدخله ، ومنزلا في النار لو عصى الله لدخله ويوم القيامة يعطى منازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة ، ويعطى منازل أهل الجنة في النار لأهل النار فيكون أهل الجنة وهم المؤمنون غابنين لأهل النار وهم الكفار والكفار هم المغبونون.
وقال بعض المفسرين بعد إيراد هذا الوجه: وقد فسر التغابن قوله ذيلا:"و من يؤمن بالله - إلى قوله - وبئس المصير"انتهى.
وليس بظاهر ذاك الظهور.
وقوله:"و من يؤمن بالله ويعمل صالحا - إلى قوله - وبئس المصير"تقدم تفسيره مرارا.
في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق العامة والخاصة وقد تقدم بعضها في تفسير أول سورة المؤمنون.
وفي تفسير البرهان ، عن ابن بابويه بإسناده عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء والأرض ، ويوم التناد يوم ينادي أهل النار أهل الجنة"أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"ويوم التغابن يوم يغبن أهل الجنة أهل النار ، ويوم الحسرة يوم يؤتى بالموت فيذبح.
أقول: وفي ذيل آيات صدر السورة المبحوث عنها عدة من الروايات توجه الآيات بشئون الولاية كالذي ورد أن الإيمان والكفر هما الإيمان والكفر بالولاية يوم أخذ الميثاق ، وما ورد أن المراد بالبينات الأئمة ، وما ورد أن المراد بالنور الإمام وهي جميعا ناظرة إلى بطن الآيات وليست بمفسرة البتة.