فهرس الكتاب

الصفحة 4029 من 4314

و قوله:"و الله غني حميد"في محل التعليل لمضمون الآية ، والمعنى: والله غني في ذاته محمود فيما فعل ، فما فعل بهم من إذاقتهم وبال أمرهم وتعذيبهم بعذاب أليم على كفرهم وتوليهم من غناه وعدله لأنه مقتضى عملهم المردود إليهم.

قوله تعالى:"زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير"ذكر ركن آخر من أركان كفر الوثنيين وهو إنكارهم الدين السماوي بإنكار المعاد إذ لا يبقى مع انتفاء المعاد أثر للدين المبني على الأمر والنهي والحساب والجزاء ويصلح تعليلا لإنكار الرسالة إذ لا معنى حينئذ للتبليغ والوعيد.

والمراد بالذين كفروا عامة الوثنيين ومنهم من عاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم كأهل مكة وما والاها ، وقيل: المراد أهل مكة خاصة.

وقوله:"قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم"أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيب عن زعمهم أن لن يبعثوا ، بإثبات ما نفوه بما في الكلام من أصناف التأكيد بالقسم واللام والنون.

و"ثم"في"ثم لتنبؤن"للتراخي بحسب رتبة الكلام ، وفي الجملة إشارة إلى غاية البعث وهو الحساب وقوله:"و ذلك على الله يسير"أي ما ذكر من البعث والإنباء بالأعمال يسير عليه تعالى غير عسير ، وفيه رد لإحالتهم أمر البعث على الله سبحانه استبعادا ، وقد عبر عنه في موضع آخر من كلامه بمثل قوله:"و هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه": الروم: 27.

والدليل عليه ما عده في صدر الآيات من أسمائه تعالى وصفاته من الخلق والملك والعلم وأنه مسبح محمود ، ويجمع الجميع أنه الله المستجمع لجميع صفات الكمال.

ويظهر من هنا أن التصريح باسم الجلالة في الجملة أعني قوله:"و ذلك على الله يسير"للإيماء إلى التعليل ، والمفاد أن ذلك يسير عليه تعالى لأنه الله ، والكلام حجة برهانية لا دعوى مجردة.

وذكروا أن الآية ثالثة الآيات التي أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم بربه على وقوع المعاد وهي ثلاث: إحداها قوله:"و يستنبؤنك أ حق هو قل إي وربي": يونس: 53 ، والثانية قوله:"و قال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم": سبأ: 3 ، والثالثة الآية التي نحن فيها.

قوله تعالى:"فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير"تفريع على مضمون الآية السابقة أي إذا كنتم مبعوثين لا محالة منبئين بما عملتم وجب عليكم أن تؤمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزله على رسوله وهو القرآن الذي يهدي بنوره الساطع إلى مستقيم الصراط ، ويبين شرائع الدين.

وفي قوله:"و النور الذي أنزلنا"التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ولعل النكتة فيه تتميم الحجة بالسلوك من طريق الشهادة وهي أقطع للعذر فكم فرق بين قولنا: والنور الذي أنزل وهو إخبار ، وقوله:"و النور الذي أنزلنا"ففيه شهادة منه تعالى على أن القرآن كتاب سماوي نازل من عنده تعالى ، والشهادة آكد من الإخبار المجرد.

لا يقال: ما ذا ينفع ذلك وهم ينكرون كون القرآن كلامه تعالى النازل من عنده ولو صدقوا ذلك كفاهم ما مر من الحجة على المعاد وأغنى عن التمسك بذيل الالتفات المذكور.

لأنه يقال: كفى في إبطال إنكارهم كونه كلام الله ما في القرآن من آيات التحدي المثبتة لكونه كلام الله ، والشهادة على أي حال آكد وأقوى من الإخبار وإن كان مدللا.

وقوله:"و الله بما تعملون خبير"تذكرة بعلمه تعالى بدقائق أعمالهم ليتأكد به الأمر في قوله:"فآمنوا"والمعنى: آمنوا وجدوا في إيمانكم فإنه عليم بدقائق أعمالكم لا يغفل عن شيء منها وهو مجازيكم بها لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت