74 سورة المدثر - 32 - 48
كلا وَالْقَمَرِ (32) وَالّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصبْح إِذَا أَسفَرَ (34) إِنهَا لاحْدَى الْكُبرِ (35) نَذِيرًا لِّلْبَشرِ (36) لِمَن شاءَ مِنكمْ أَن يَتَقَدّمَ أَوْ يَتَأَخّرَ (37) كلّ نَفْسِ بِمَا كَسبَت رَهِينَةٌ (38) إِلا أَصحَب الْيَمِينِ (39) فى جَنّتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سلَككمْ في سقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَك مِنَ الْمُصلِّينَ (43) وَلَمْ نَك نُطعِمُ الْمِسكِينَ (44) وَكنّا نخُوض مَعَ الخَْائضِينَ (45) وَكُنّا نُكَذِّب بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شفَعَةُ الشفِعِينَ (48)
في الآيات تنزيه للقرآن الكريم عما رموه به ، وتسجيل أنه إحدى الآيات الإلهية الكبرى فيه إنذار البشر كافة وفي اتباعه فك نفوسهم عن رهانة أعمالهم التي تسوقهم إلى سقر.
قوله تعالى:"كلا"ردع وإنكار لما تقدم قال في الكشاف: إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون ، أو ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيرا.
انتهى.
فعلى الأول إنكار لما تقدم وعلى الثاني ردع لما سيأتي ، وهناك وجه آخر سيوافيك.
قوله تعالى:"و القمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر"قسم بعد قسم ، وإدبار الليل مقابل إقباله ، وإسفار الصبح انجلاؤه وانكشافه.
قوله تعالى:"إنها لإحدى الكبر"ذكروا أن الضمير لسقر ، والكبر جمع كبرى ، والمراد بكون سقر إحدى الكبر أنها إحدى الدواهي الكبر لا يعادلها غيرها من الدواهي كما يقال: هو أحد الرجال أي لا نظير له بينهم ، والجملة جواب للقسم.
والمعنى أقسم بكذا وكذا أن سقر لإحدى الدواهي الكبر - أكبرها - إنذارا للبشر.
ولا يبعد أن يكون"كلا"ردعا لقوله في القرآن:"إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر"ويكون ضمير"أنها"للقرآن بما أنه آيات أو من باب مطابقة اسم إن لخبرها.
والمعنى: ليس كما قال أقسم بكذا وكذا أن القرآن - آياته - لإحدى الآيات الإلهية الكبرى إنذارا للبشر.
وقيل: الجملة"أنها لإحدى الكبر"تعليل للردع ، والقسم معترض للتأكيد لا جواب له أو جوابه مقدر يدل عليه كلا.
قوله تعالى:"نذيرا للبشر"مصدر بمعنى الإنذار منصوب للتمييز ، وقيل: حال مما يفهم من سياق قوله:"إنها لإحدى الكبر"أي كبرت وعظمت حالكونها إنذارا أي منذرة.
وقيل فيه وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم: أنه صفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية متصلة بأول السورة والتقدير قم نذيرا للبشر فأنذر ، وقول بعضهم: صفة له تعالى.
قوله تعالى:"لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر"تعميم للإنذار و"لمن شاء"بدل من البشر ، و"أن يتقدم"إلخ مفعول"شاء"والمراد بالتقدم والتأخر: الاتباع للحق ومصداقه الإيمان والطاعة ، وعدم الاتباع ومصداقه الكفر والمعصية.
والمعنى: نذيرا لمن اتبع منكم الحق ولمن لم يتبع أي لجميعكم من غير استثناء.
وقيل:"أن يتقدم"في موضع الرفع على الابتداء و"لمن شاء"خبره كقولك لمن توضأ أن يصلي ، والمعنى مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر ، وهو كقوله.
"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"والمراد بالتقدم والتأخر السبق إلى الخير والتخلف عنه انتهى.
قوله تعالى:"كل نفس بما كسبت رهينة"الباء بمعنى مع أو للسببية أو للمقابلة و"رهينة"بمعنى الرهن على ما ذكره الزمخشري قال في الكشاف ،: رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله:"كل امرىء بما كسب رهين"لتأنيث النفس لأنه لو قصدت لقيل: رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن.
انتهى.
وكان العناية في عد كل نفس رهينة أن لله عليها حق العبودية بالإيمان والعمل الصالح فهي رهينة محفوظة محبوسة عند الله حتى توفي دينه وتؤدي حقه تعالى فإن آمنت وصلحت فكت وأطلقت ، وإن كفرت وأجرمت وماتت على ذلك كانت رهينة محبوسة دائما ، وهذا غير كونها رهين عملها ملازمة لما اكتسبت من خير وشر كما تقدم في قوله تعالى:"كل امرىء بما كسب رهين": الطور 21.