فهرس الكتاب

الصفحة 1987 من 4314

و قد ظهر بذلك أن قوله:"لمسجد أسس"إلخ ، بمنزلة التعليل لرجحان المسجد على المسجد وقوله:"فيه رجال"إلخ ، لإفادة رجحان أهله على أهله ، وقوله الآتي:"أ فمن أسس بنيانه"إلخ ، لبيان الرجحان الثاني.

قوله تعالى:"أ فمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير"إلى آخر الآية شفا البئر طرفه ، وجرف الوادي جانبه الذي انحفر بالماء أصله وهار الشيء يهار فهو هائر وربما يقال: هار بالقلب وانهار ينهار انهيارا أي سقط عن لين فقوله:"على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم"استعارة تخييلية شبه فيها حالهم بحال من بنى بنيانا على نهاية شفير واد لا ثقة بثباتها وقوامها فتساقطت بما بني عليه من البنيان وكان في أصله جهنم فوقع في ناره ، وهذا بخلاف من بنى بنيانه على تقوى من الله ورضوان منه أي جرى في حياته على اتقاء عذاب الله وابتغاء رضاه.

وظاهر السياق أن قوله:"أ فمن أسس بنيانه على تقوى"إلخ ، وقوله:"أم من أسس بنيانه على شفا جرف"إلخ ، مثلان يمثل بهما بنيان حياة المؤمنين والمنافقين وهو الدين والطريق الذي يجريان عليه فيها فدين المؤمن هو تقوى الله وابتغاء رضوانه عن يقين به ، ودين المنافق مبني على التزلزل والشك.

ولذلك أعقبه الله تعالى وزاد في بيانه بقوله:"لا يزال بنيانهم"يعني المنافقين"الذي بنوا ريبة"وشكا"في قلوبهم"لا يتعدى إلى مرحلة اليقين"إلا أن تقطع قلوبهم"فتتلاشى الريبة بتلاشيها"و الله عليم حكيم"ولذلك يضع هؤلاء ويرفع أولئك.

في المجمع ، قال المفسرون: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قبا ، وبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم فأتاهم وصلى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا: نبني مسجدا فنصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد ، وكانوا اثني عشر رجلا ، وقيل: خمسة عشر رجلا ، منهم: ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحارث فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا. فلما بنوه أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا وتدعو بالبركة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إني على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه ، فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد. قال: فوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم وكان مالك من بني عمرو بن عوف فقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأهدماه وحرقاه ، وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه ، وأمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف. أقول: وفي رواية القمي: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث لذلك مالك بن دخشم الخزاعي وعامر بن عدي أخا بني عمرو بن عوف فجاء مالك وقال لعامر: انتظرني حتى أخرج نارا من منزلي ، فدخل وجاء بنار وأشعل في سعف النخل ثم أشعله في المسجد فتفرقوا ، وقعد زيد بن حارثة حتى احترقت البنية ثم أمر بهدم حائطه.

والقصة مروية بطرق كثيرة من طرق أهل السنة ، والروايات متقاربة إلا أن في أسامي من بعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلافا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت