فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 4314

قلت: الذي يتحصل من البيان السابق المستفاد من الآية أن الهداية بالحق وهي الإمامة تستلزم الاهتداء بالحق ، وأما العكس وهو أن يكون كل من اهتدى بالحق هاديا لغيره بالحق ، حتى يكون كل نبي لاهتدائه بالذات إماما ، فلم يتبين بعد ، وقد ذكر سبحانه هذا الاهتداء بالحق ، من غير أن يقرنه بهداية الغير بالحق في قوله تعالى:"وهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ، وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده": الأنعام - 90 ، وسياق الآيات كما ترى يعطي أن هذه الهداية أمر ليس من شأنه أن يتغير ويتخلف ، وأن هذه الهداية لن ترتفع بعد رسول الله عن أمته ، بل عن ذرية إبراهيم منهم خاصة ، كما يدل عليه قوله تعالى:"و إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون": الزخرف - 28 ، فأعلم قومه ببراءته في الحال وأخبرهم بهدايته في المستقبل ، وهي الهداية بأمر الله حقا ، لا الهداية التي يعطيها النظر والاعتبار ، فإنها كانت حاصلة مدلولا عليها بقوله: إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ، ثم أخبر الله: أنه جعل هذه الهداية كلمة باقية في عقب إبراهيم ، وهذا أحد الموارد التي أطلق القرآن الكلمة فيها على الأمر الخارجي دون القول ، كقوله تعالى:"و ألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها": الفتح - 26.

وقد تبين بما ذكر: أن الإمامة في ولد إبراهيم بعده ، وفي قوله تعالى:"قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين"إشارة إلى ذلك ، فإن إبراهيم (عليه السلام) إنما كان سأل الإمامة لبعض ذريته لا لجميعهم ، فأجيب: بنفيها عن الظالمين من ولده ، وليس جميع ولده ظالمين بالضرورة حتى يكون نفيها عن الظالمين نفيا لها عن الجميع ، ففيه إجابة لما سأله مع بيان أنها عهد ، وعهده تعالى لا ينال الظالمين.

قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين ، في التعبير إشارة إلى غاية بعد الظالمين عن ساحة العهد الإلهي ، فهي من الاستعارة بالكناية.

في الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : أن الله عز وجل اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وأن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما ، فلما جمع له الأشياء قال:"إني جاعلك للناس إماما"قال (عليه السلام) : فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال: لا يكون السفيه إمام التقي.

أقول: وروي هذا المعنى أيضا عنه بطريق آخر وعن الباقر (عليه السلام) بطريق آخر ، ورواه المفيد عن الصادق (عليه السلام) .

قوله: إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، يستفاد ذلك من قوله تعالى:"و لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين - إلى قوله - من الشاهدين": الأنبياء - 56 ، وهو اتخاذ بالعبودية في أول أمر إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت