فهرس الكتاب

الصفحة 1835 من 4314

و ثانيا: أن الظاهر أن الآيتين نزلتا دفعة واحدة فإنهما وإن كانتا تخبران عن حال المؤمنين في زمانين مختلفين كما يشير إليه قوله في الآية الثانية:"الآن خفف الله عنكم"لكن الآيتين تقيسان كما مر طبع قوى المؤمنين الروحية في زمانين مختلفين ، وسياق الثانية بالنظر إلى هذا القياس بحيث لا يستقل عن الأولى ، ووجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب أن ينزل الآية المتضمنة لأحدهما في زمان غير زمان نزول الأخرى المتضمنة للآخر.

نعم لو كانت الآيتان مقصورتين في بيان الحكم التكليفي فحسب كان الظاهر نزول الثانية بعد زمان نزلت فيه الأولى.

وثالثا: أن ظاهر قوله تعالى:"الآن خفف الله عنكم"كما قيل كون الآيتين مسوقتين لبيان الحكم التكليفي لأن التخفيف لا يكون إلا بعد التكليف فاللفظ لفظ الخبر والمراد به الأمر ومحصل المراد في الآية الأولى: ليثبت الواحد منكم للعشرة من الكفار وفي الآية الثانية: الآن خفف الله في أمره فليثبت الواحد منكم للاثنين من الكفار.

واختصاص التخفيف بباب التكاليف - كما قيل - وإن أمكنت المناقشة فيه لكن ظهور الآيتين في وجود حكمين مختلفين مترتبين بحسب الزمان أحدهما أخف من الآخر لا ينبغي الارتياب فيه.

ورابعا: أن ظاهر التعليل في الآية الأولى بالفقه ، وفي الآية الثانية بالصبر مع تقييد المقاتل من المؤمنين في الآيتين جميعا بالصبر يدل على أن الصبر يرجح الواحد في قوة الروح على مثليه ، والفقه يرجحه فيها على خمسة أمثاله فإذا اجتمعا في واحد يرجح على عشرة أمثال نفسه ، والصبر لا يفارق الفقه وإن جاز العكس.

وخامسا: أن الصبر واجب في القتال على أي حال.

في تفسير البيضاوي ،": في قوله تعالى الذين عاهدت منهم - ثم ينقضون عهدهم في كل مرة"هم يهود بني قريظة عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يمالئوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا ، ثم عاهدهم فنكثوا ومالئوهم عليه يوم الخندق ، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم.

أقول: وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد ، وروي عن سعيد بن جبير أن الآية نزلت في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت.

وإيضاح ما تشير إليه الآية من نقض اليهود ميثاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة بعد مرة وما قاساه من المحن من ناحيتهم يحتاج إلى سير إجمالي فيما جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم من الأمر بعد هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة إلى سبع سنين من الهجرة.

وقد كانت طوائف من اليهود هاجرت من بلادها إلى الحجاز وتوطنوا بها وبنوا فيها الحصون والقلاع ، وزادت نفوسهم وكثرت أموالهم وعظم أمرهم وقد مرت في ذيل قوله تعالى:"و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين:"البقرة: - 89 في الجزء الأول من الكتاب روايات في بدء مهاجرتهم إلى الحجاز وكيفية نزولهم حول المدينة وبشارتهم الناس بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ولما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ودعاهم إلى الإسلام استنكفوا عن الإيمان به فصالح يهود المدينة وعاهدهم بكتاب كتب بينه وبينهم وهم ثلاثة رهط حول المدينة: بنو قينقاع ، وبنو النضير ، وبنو قريظة أما بنو قينقاع فنكثوا العهد في غزوة بدر فسار إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة بعد بضعة وعشرين يوما من وقعة بدر فتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار ، وبقوا على ذلك خمسة عشر يوما.

ثم نزلوا على حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفوسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم فأمر بهم فكتفوا ، وكلم عبد الله بن أبي بن سلول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وألح عليه وكانوا حلفاءه فوهبهم له ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام ومعهم نساؤهم وذراريهم ، وقبض منهم أموالهم غنيمة الحرب ، وكانوا ستمائة مقاتل من أشجع اليهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت