فهرس الكتاب

الصفحة 1834 من 4314

و قوله تعالى في الآية السابقة تعليلا للحكم:"بأنهم قوم لا يفقهون"وكذا في هذه الآية:"و علم أن فيكم ضعفا""و الله مع الصابرين"وعدم الفقه والضعف الروحي والصبر من العلل والأسباب الخارجية المؤثرة في الغلبة والظفر والفوز بلا شك يدل على أن الحكم في الآيتين مبني على ما اعتبر من الأوصاف الروحية في الفئتين: المؤمنين والكفار ، وإن القوى الداخلة الروحية التي اعتبرت في الآية الأولى ما في المؤمن الواحد منها غالبة على القوى الداخلة الروحية في عشر من الكفار عادت بعد زمان يسير يشير إليه بقوله:"الآن خفف الله عنكم"لا يربو ما في المؤمن الواحد منها - من متوسطي المؤمنين - إلا على اثنين من الكفار فقد فقدت القوة من أثرها بنسبة الثمانين في المائة ، وتبدلت العشرون والمائتان في الآية الأولى إلى المائة والمائتين في الآية الثانية ، والمائة والألف في الأولى إلى الألف والألفين في الثانية.

والبحث الدقيق في العوامل المولدة للسجايا النفسانية بحسب الأحوال الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك فإن المجتمعات المنزلية والأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيوية أو دينية في أول تكونها ونشأتها تحس بالموانع المضادة والمحن الهادمة لبنيانها من كل جانب فتتنبه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها ، ويستيقظ ما نامت من نفسانياتها للتحذر من المكاره والتفدية في طريق مطلوبها بالمال والنفس.

ولا تزال تجاهد وتفدي ليلها ونهارها ، وتتقوى وتتقدم حتى تمهد لنفسها حياة فيها بعض الاستقلال ، ويصفو لها الجو بعض الصفاء ويكثر جمعها ويضرب بجرانها الأرض أخذت بالاستفادة من فوائد جهدها والتنعم بنعمة الراحة ، والتوسع في متسع الأمن ، وشرعت القوى الروحية الباسطة الباعثة للعمل في الخمود.

على أن المجتمع وإن قلت أفراده لا يخلو من اختلاف في الإيمان ، والسجايا الروحية الجميلة من قوي فيها وضعيف ، وكلما كثرت الأفراد ازداد ضعفاء الإيمان والذين في قلوبهم مرض والمنافقون فتنزلت القوى الروحية في الفرد المتوسط وارتفعت كفة الميزان عما كانت عليه من الثقل.

والجماعات الدينية والأحزاب الدنيوية في ذلك على السواء والسنة الطبيعية الجارية في النظام الإنساني تجري على الجميع على نسق واحد ، وقد أثبتت التجربة القطعية أن المجتمعات المؤتلفة لغرض هام كلما قلت أفرادها وقويت رقباؤها ومزاحموها ، وأحاطت بها المحن والفتن كانت أكثر نشاطا للعمل وأحد في الأثر وكلما كثرت أفرادها وقلت مزاحماتها والموانع الحائلة بينها وبين مقاصدها ومطالبها كانت أكثر خمودا وأقل تيقظا وأسفه حلما.

والتدبر الكافي في مغازي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينور ذلك فهذه غزوة بدر غلب فيها المسلمون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على ما بهم من رثاثة الحال وقلة العدة وفقد السلاح والقوة كفار قريش وهم يعدلون ثلاثة أمثال المسلمين أو يزيدون على ما لهم من العزة والشوكة والقوة ثم ما جرى على المسلمين في غزوة أحد ثم في غزوة الخندق ثم في غزوة خيبر ثم في غزوة حنين وهي أعجبها وقد ذكرها الله سبحانه بما لا يبقى لباحث ريبا في ذلك إذ قال:"و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين"إلى آخر الآيات.

فالآية تدل أولا على أن الإسلام كان كلما زاد في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عزة وشوكة ظاهرا زادت نقصا وخمودا في قوى المسلمين الروحية العامة ودرجة إيمانهم وسجاياهم الجميلة النفسانية المعنوية باطنا حتى استقرت بعد غزوة بدر - بقليل أو كثير - على خمس ما كانت عليه قبلها كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى في الآيات التالية:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم"الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت