28 سورة القصص - 15 - 21
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاستَغَثَهُ الّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلى الّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشيْطنِ إِنّهُ عَدُوّ مّضِلّ مّبِينٌ (15) قَالَ رَب إِنى ظلَمْت نَفْسى فَاغْفِرْ لى فَغَفَرَ لَهُ إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (16) قَالَ رَب بِمَا أَنْعَمْت عَلىّ فَلَنْ أَكُونَ ظهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصبَحَ في الْمَدِينَةِ خَائفًا يَترَقّب فَإِذَا الّذِى استَنصرَهُ بِالأَمْسِ يَستَصرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسى إِنّك لَغَوِىّ مّبِينٌ (18) فَلَمّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِش بِالّذِى هُوَ عَدُوّ لّهُمَا قَالَ يَمُوسى أَ تُرِيدُ أَن تَقْتُلَنى كَمَا قَتَلْت نَفْسا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلا أَن تَكُونَ جَبّارًا في الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصا الْمَدِينَةِ يَسعَى قَالَ يَمُوسى إِنّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك فَاخْرُجْ إِنى لَك مِنَ النّصِحِينَ (20) فخَرَجَ مِنهَا خَائفًا يَترَقّب قَالَ رَب نجِّنى مِنَ الْقَوْمِ الظلِمِينَ (21)
فصل ثان من قصة موسى (عليه السلام) فيه ذكر بعض ما وقع بعد بلوغه أشده فأدى إلى خروجه من مصر وقصده مدين.
قوله تعالى:"و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها"إلخ ، لا ريب أن المدينة التي دخلها على حين غفلة من أهلها هي مصر ، وأنه كان يعيش عند فرعون ، ويستفاد من ذلك أن القصر الملكي الذي كان يسكنه فرعون كان خارج المدينة وأنه خرج منه ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ، ويؤيد ما ذكرنا ما سيأتي من قوله:"و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى"على ما سيجيء من الاستظهار.
وحين الغفلة من أهل المدينة هو حين يدخل الناس بيوتهم فتتعطل الأسواق وتخلو الشوارع والأزقة من المارة كالظهيرة وأواسط الليل.
وقوله:"فوجد فيها رجلين يقتتلان"أي يتنازعان ويتضاربان ، وقوله:"هذا من شيعته وهذا من عدوه"حكاية حال تمثل به الواقعة ، ومعناه: أن أحدهما كان إسرائيليا من متبعيه في دينه - فإن بني إسرائيل كانوا ينتسبون يومئذ إلى آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) في دينهم وإن كان لم يبق لهم منه إلا الاسم وكانوا يتظاهرون بعبادة فرعون - والآخر قبطيا عدوا له لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل ، ومن الشاهد أيضا على كون هذا الرجل قبطيا قوله في موضع آخر يخاطب ربه:"و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء: 14.
وقوله:"فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه"الاستغاثة: الاستنصار من الغوث بمعنى النصرة أي طلب الإسرائيلي من موسى أن ينصره على عدوه القبطي.
وقوله:"فوكزه موسى فقضى عليه"ضميرا"وكزه"و"عليه"للذي من عدوه والوكز - على ما ذكره الراغب وغيره - الطعن والدفع والضرب بجمع الكف ، والقضاء هو الحكم والقضاء عليه كناية عن الفراغ من أمره بموته ، والمعنى: فدفعه أو ضربه موسى بالوكز فمات ، وكان قتل خطإ ولو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يعبر بالقتل.
وقوله:"قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين"الإشارة بهذا إلى ما وقع بينهما من الاقتتال حتى أدى إلى موت القبطي وقد نسبه نوع نسبة إلى عمل الشيطان إذ قال:"هذا من عمل الشيطان"و"من"ابتدائية تفيد معنى الجنس أو نشوئية ، والمعنى: هذا الذي وقع من المعاداة والاقتتال من جنس العمل المنسوب إلى الشيطان أو ناش من عمل الشيطان فإنه هو الذي أوقع العداوة والبغضاء بينهما وأغرى على الاقتتال حتى أدى ذلك إلى مداخلة موسى وقتل القبطي بيده فأوقعه ذلك في خطر عظيم وقد كان يعلم أن الواقعة لا تبقى خفية مكتومة وأن القبط سيثورون عليه وأشرافهم وملؤهم وعلى رأسهم فرعون سينتقمون منه ومن كل من تسبب إلى ذلك أشد الانتقام.
فعند ذلك تنبه (عليه السلام) أنه أخطأ فيما فعله من الوكز الذي أورده مورد الهلكة ولا ينسب الوقوع في الخطإ إلى الله سبحانه لأنه لا يهدي إلا إلى الحق والصواب فقضي أن ذلك منسوب إلى الشيطان.