و قوله:"لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون"أي المقدمون إلى عذاب النار يقال فرط وأفرط أي تقدم والإفراط الإسراف في التقدم كما أن التفريط التقصير فيه ، والفرط بفتحتين هو الذي يسبق السيارة لتهيئة المسكن والماء ، ويقال: أفرطه أي قدمه.
ولما كان قولهم كذبا وافتراء إن لله ما يكرهون ولهم الحسنى في معنى دعوى أنهم سبقوا ربهم إلى الحسنى وتركوا له ما يكرهون أوعدهم بحقيقة هذا الزعم جزاء لكذبهم وهو أن لهم النار وأنهم مقدمون إليها حقا وذلك قوله:"لا جرم أن لهم النار"إلخ.
قوله تعالى:"تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم"ظاهر السياق أن المراد باليوم يوم نزول الآية والمراد بكون الشيطان وليا لهم يومئذ اتفاقهم على الضلال في زمان الوحي والمراد بالعذاب الموعود عذاب يوم القيامة كما هو ظاهر غالب الآيات التي توعد بالعذاب.
والمعنى: تالله لقد أرسلنا رسلنا إلى أمم من قبلك كاليهود والنصارى والمجوس ممن لم ينقرضوا كعاد وثمود فزين لهم الشيطان أعمالهم فاتبعوه وأعرضوا عن رسلنا فهو وليهم اليوم وهم متفقون على الضلال ولهم يوم القيامة عذاب أليم.
وجوز الزمخشري على هذا الوجه أن يكون ضمير"وليهم"لقريش والمعنى أن الشيطان زين للأمم الماضين أعمالهم وهو اليوم ولي قريش ويبعده لزوم اختلاف الضمائر.
ويمكن أن يكون المراد بالأمم الأمم الماضين والهالكين فولاية الشيطان لهم اليوم كونهم من أولياء الشيطان في البرزخ ولهم هناك عذاب أليم.
وقيل: المراد باليوم مدة الدنيا فهي يوم الولاية والعذاب يوم القيامة.
وقيل: المراد به يوم القيامة فهناك ولاية الشيطان لهم ولهم هناك عذاب أليم.
وقيل: المراد يوم تزيين الشيطان أعمالهم وهو من قبيل حكاية الحال الماضية.
وأقرب الوجوه أولها ثم التالي فالتالي والله أعلم.
قوله تعالى:"و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"إلخ ضمير لهم للمشركين والمراد بالذي اختلفوا فيه هو الحق من اعتقاد وعمل فيكون المراد بالتبين الإيضاح والكشف لإتمام الحجة ، والدليل على هذا الذي ذكرنا تفريق أمر المؤمنين منهم وإفرادهم بالذكر في قوله:"و هدى ورحمة لقوم يؤمنون".
والمعنى: هذا حال الناس في الاختلاف في المعارف الحقة والأحكام الإلهية وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتكشف لهؤلاء المختلفين الحق الذي اختلف فيه فيتم لهم الحجة ، وليكون هدى ورحمة لقوم يؤمنون يهديهم الله به إلى الحق ويرحمهم بالإيمان به والعمل.
في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) :"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"قال: الذكر محمد ونحن أهله المسئولون الحديث.
أقول: يشير (عليه السلام) إلى قوله تعالى:"قد أنزل الله عليكم ذكرا رسولا": الطلاق: 11 وفي معناه روايات كثيرة.
وفي تفسير البرهان ، عن البرقي بإسناده عن عبد الكريم بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) : قال جل ذكره:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"قال: الكتاب الذكر وأهله آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الله عز وجل بسؤالهم ولم يأمر بسؤال الجهال وسمى الله عز وجل القرآن ذكرا فقال تبارك وتعالى"و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"وقال تعالى:"و إنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون".
أقول: وهذا احتجاج على كونهم أهل الذكر بأن الذكر هو القرآن وأنهم أهله لكونهم قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والآيتان في آخر الكلام للاستشهاد على ذلك كما صرح بذلك في غيره من الروايات ، وفي معنى الحديث أحاديث أخر.
وفي تفسير العياشي ، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له إن من عندنا يزعمون أن قول الله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"أنهم اليهود والنصارى فقال: إذا يدعونكم إلى دينهم قال ثم قال: بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر ونحن المسئولون. قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : الذكر القرآن.
أقول: وروي نظير هذا البيان عن الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون.