و قد مر أن الخطاب في الآية على ما يفيده السياق للمشركين من الوثنيين المحيلين للرسالة أمروا أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتب السماوية: هل بعث الله للرسالة رجالا من البشر يوحي إليهم؟ ومن المعلوم أن المشركين لما كانوا لا يقبلون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن معنى لإرجاعهم إلى غيره من أهل القرآن لأنهم لم يكونوا يقرون للقرآن أنه ذكر من الله فتعين أن يكون المسئول عنه بالنظر إلى مورد الآية هم أهل الكتاب وخاصة اليهود.
وأما إذا أخذ قوله:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"في نفسه مع قطع النظر عن المورد ومن شأن القرآن ذلك - ومن المعلوم أن المورد لا يخصص بنفسه - كان القول عاما من حيث السائل والمسئول والمسئول عنه ظاهرا فالسائل كل من يمكن أن يجهل شيئا من المعارف حقيقية والمسائل من المكلفين ، والمسئول عنه جميع المعارف والمسائل التي يمكن أن يجهله جاهل ، وأما المسئول فإنه وإن كان بحسب المفهوم عاما فهو بحسب المصداق خاص وهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وذلك أن المراد بالذكر إن كان هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في آية الطلاق فهم أهل الذكر ، وإن كان هو القرآن كما في آية الزخرف فهو ذكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقومه - وهم قومه أو المتيقن من قومه - فهم أهله وخاصته وهم المسئولون وقد قارنهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن وأمر الناس بالتمسك بهما في حديث الثقلين المتواتر قائلا: إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث.
ومن الدليل على أن كلامهم (عليهم السلام) من الجهة التي ذكرناها عدم تعرضهم لشيء من خصوصيات مورد الآية.
ومما قدمناه يظهر فساد ما أورده بعضهم على الأحاديث أن المشركين الذين أمروا بالسؤال ما كانوا يقبلون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف يقبلون من أهل بيته؟.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن جابر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه ، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله وقد قال الله"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه. وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"أ فأمن الذين مكروا السيئات إلى قوله بمعجزين"قال: قال (عليه السلام) : إذا جاءوا وذهبوا في التجارات فيأخذهم في تلك الحالة"أو يأخذهم على تخوف"قال: قال: على تيقظ. وفي تفسير العياشي ، عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت عن قول الله:"و له الدين واصبا"قال: واجبا. وفي المعاني ، بإسناده عن حنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام) :"و لله المثل الأعلى"الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهم وفي الدر المنثور ،: في قوله:"و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم"الآية أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو أن الله يؤاخذني وعيسى بن مريم بذنوبنا وفي لفظ: بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئا.
أقول: والحديث مخالف لما يثبته الكتاب والسنة من عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ولا وجه لحمله على إرادة ترك الأولى من الذنوب إذ لا عذاب عليه.