39 سورة الزمر - 53 - 61
قُلْ يَعِبَادِى الّذِينَ أَسرَفُوا عَلى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوب جَمِيعًا إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب ثُمّ لا تُنصرُونَ (54) وَاتّبِعُوا أَحْسنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رّبِّكم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكمُ الْعَذَاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسرَتى عَلى مَا فَرّطت في جَنبِ اللّهِ وَإِن كُنت لَمِنَ السخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنّ اللّهَ هَدَاخ لَكنت مِنَ الْمُتّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَاب لَوْ أَنّ لى كرّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى قَدْ جَاءَتْك ءَايَتى فَكَذّبْت بهَا وَاستَكْبرْت وَكُنت مِنَ الْكَفِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللّهِ وُجُوهُهُم مّسوَدّةٌ أَ لَيْس في جَهَنّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبرِينَ (60) وَيُنَجِّى اللّهُ الّذِينَ اتّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسهُمُ السوءُ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ (61)
في الآيات أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوهم إلى الإسلام واتباع ما أنزل الله ويحذرهم عما يستعقبه إسرافهم على أنفسهم من الحسرة والندامة يوم لا ينفعهم ذلك مع استكبارهم في الدنيا على الحق والفوز والنجاة يومئذ للمتقين والنار والخسران للكافرين ، وفي لسان الآيات من الرأفة والرحمة ما لا يخفى.
قوله تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله"إلخ أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوهم من قبله ويناديهم بلفظة يا عبادي وفيه تذكير بحجة الله سبحانه على دعوتهم إلى عبادتهم وترغيب لهم إلى استجابة الدعوة أما التذكير بالحجة فلأنه يشير إلى أنهم عباده وهو مولاهم ومن حق المولى على عبده أن يطيعه ويعبده فله أن يدعوه إلى طاعته وعبادته ، وأما ترغيبهم إلى استجابة الدعوة فلما فيه من الإضافة إليه تعالى الباعث لهم إلى التمسك بذيل رحمته ومغفرته.
وقوله:"الذين أسرفوا على أنفسهم"الإسراف - على ما ذكره الراغب - تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر ، وكان الفعل مضمن معنى الجناية أو ما يقرب منها ولذا عدي بعلى والإسراف على النفس هو التعدي عليها باقتراف الذنب أعم من الشرك وسائر الذنوب الكبيرة والصغيرة على ما يعطيه السياق.
وقال جمع: إن المراد بالعباد المؤمنون وقد غلب استعماله فيهم مضافا إليه تعالى في القرآن فمعنى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم أيها المؤمنون المذنبون.
ويدفعه أن قوله:"يا عبادي الذين أسرفوا"إلى تمام سبع آيات ذو سياق واحد متصل يفصح عن دعوتهم وقوله في ذيل الآيات:"بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت"إلخ كالصريح أو هو صريح في شمول العباد للمشركين.
وما ورد في كلامه تعالى من لفظ"عبادي"والمراد به المؤمنون بضعة عشر موردا جميعها محفوفة بالقرينة وليس بحيث ينصرف عند الإطلاق إلى المؤمنين كما أن الموارد التي أطلق فيها وأريد به الأعم من المشرك والمؤمن في كلامه كذلك.
وبالجملة شمول"عبادي"في الآية للمشركين لا ينبغي أن يرتاب فيه ، والقول بأن المراد به المشركون خاصة نظرا إلى سياق الآيات كما نقل عن ابن عباس أقرب إلى القبول من تخصيصه بالمؤمنين.
وقوله:"لا تقنطوا من رحمة الله"القنوط اليأس ، والمراد بالرحمة بقرينة خطاب المذنبين ودعوتهم هو الرحمة المتعلقة بالآخرة دون ما هي أعم الشاملة للدنيا والآخرة ومن المعلوم أن الذي يفتقر إليه المذنبون من شئون رحمة الآخرة بلا واسطة هو المغفرة فالمراد بالرحمة المغفرة ولذا علل النهي عن القنوط من الرحمة بقوله:"إن الله يغفر الذنوب جميعا".
وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة حيث قيل:"إن الله يغفر"ولم يقل: إني أغفر وذلك للإشارة إلى أنه الله الذي له الأسماء الحسنى ومنها أنه غفور رحيم كأنه يقول لا تقنطوا من رحمتي فإني أنا الله أغفر الذنوب جميعا لأن الله هو الغفور الرحيم.