قوله تعالى:"لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا"عدم سمع اللغو من أخص صفات الجنة وقد ذكره الله سبحانه وامتن به في مواضع من كلامه وسنفصل القول فيه إن شاء الله في موضع يناسبه ، واستثناء السلام منه استثناء منفصل ، والسلام قريب المعنى من الأمن - وقد تقدم الفرق بينهما - فقولك: أنت مني في أمن معناه لا تلقى مني ما يسوءك ، وقولك: سلام مني عليك معناه كل ما تلقاه مني لا يسوءك.
وإنما يسمعون السلام من الملائكة ومن رفقائهم في الجنة ، قال تعالى حكاية عن الملائكة""سلام عليكم طبتم": الزمر: 73 ، وقال:"فسلام لك من أصحاب اليمين: الواقعة - 91.
وقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا الظاهر أن إتيان الرزق بكرة وعشيا كناية عن تواليه من غير انقطاع.
قوله تعالى:"تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا"الإرث والوراثة هو أن ينتقل مال أو ما يشبهه من شخص إلى آخر بعد ترك الأول له بموت أو جلاء أو نحوهما ، وإذ كانت الجنة في معرض العطاء لكل إنسان بحسب الوعد الإلهي المشروط بالإيمان والعمل الصالح فاختصاص المتقين بها بعد حرمان غيرهم عنها بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات وراثة المتقين ، ونظير هذه العناية ما في قوله تعالى:"إن الأرض يرثها عبادي الصالحون:"الأنبياء: 105 ، وقوله:"و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين": الزمر: 74 ، والآية - كما ترى - جمعت بين الإيراث والأجر.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"و ممن هدينا واجتبينا"الآية ، وروي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال: نحن عنينا بها.
أقول: وعن مناقب ابن شهرآشوب ، عنه (عليه السلام) مثله ، وقد اتضح معنى الحديث بما قدمناه في تفسير الآية فإن المراد بالجملة أهل الهداية والاجتباء من غير النبيين وهم (عليهم السلام) منهم كما ذكر الله سبحانه مريم منهم وليست بنبية.
قال في روح المعاني ،: وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال: نحن عنينا بهؤلاء القوم.
ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جدا وحال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب التميز.
انتهى.
وقد تبين خطؤه مما تقدم والذي أوقعه في ذلك أخذه قوله تعالى:"و ممن هدينا واجتبينا"معطوفا على قوله:"من ذرية آدم"وقوله:"من النبيين"بيانا لقوله:"أولئك الذين"إلخ ، فانحصر"أولئك الذين أنعم الله عليهم"في النبيين فاضطر إلى القول بأن الآية لا تشمل غير النبيين وهو يرى أن الله ذكر فيمن ذكر مريم بنت عمران وليست بنبية.
وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلا هذه الآية"فخلف من بعدهم خلف"فقال: يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر.
وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"أضاعوا الصلوة"وقيل: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن تركوها أصلا وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : . أقول: وروى في الكافي ، ما في معناه بإسناده عن داود بن فرقد عنه (عليه السلام) ، وروي ذلك من طرق أهل السنة عن ابن مسعود وعدة من التابعين: .
وعن جوامع الجامع ، وفي روح المعاني ،: في قوله:"و اتبعوا الشهوات"عن علي (عليه السلام) من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الغي واد في جهنم.
أقول: وفي روايات أخرى أن الغي وأثام نهران في جهنم ، وهذا على تقدير صحة الحديث ليس بتفسير آخر كما زعمه أكثر المفسرين بل بيان لما سيئول إليه الغي بحسب الجزاء ، ونظيره ما ورد أن الويل بئر في جهنم وأن طوبى شجرة في الجنة ، إلى غير ذلك من الروايات.