فهرس الكتاب

الصفحة 2852 من 4314

و أما قول القائل إن المراد بتلاوة الآيات قراءة الكتب السماوية مطلقا أو خصوص ما يشتمل على عذاب الكفار والمجرمين ، أو أن المراد بالسجود الصلاة أو سجدة التلاوة أو أن المراد بالبكاء البكاء عند استماع الآيات أو تلاوتها فكما ترى.

فمعنى الآية - والله أعلم - أولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وبعضهم من أهل الهداية والاجتباء خاضعون للرحمن خاشعون إذا ذكر عندهم وتليت آياته عليهم.

ولم يقل: كانوا إذا تتلى عليهم"إلخ"لأن العناية في المقام متعلقه ببيان حال النوع من غير نظر إلى ماضي الزمان ومستقبله بل بتقسيمه إلى سلف صالح وخلف طالح وثالث تاب وآمن وعمل صالحا وهو ظاهر.

قوله تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"قالوا: الخلف بسكون اللام البدل السيىء وبفتح اللام ضده وربما يعكس على ندرة ، وضياع الشيء فساده أو افتقاده بسبب ما كان ينبغي أن يتسلط عليه يقال: أضاع المال إذا أفسده بسوء تدبيره أو أخرجه من يده بصرفه فيما لا ينبغي صرفه فيه ، والغي خلاف الرشد وهو إصابة الواقع وهو قريب المعنى من الضلال خلاف الهدى وهو ركوب الطريق الموصل إلى الغاية المقصودة.

فقوله:"فخلف من بعدهم خلف"إلخ أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله تعالى بالتوجه إليه بالعبادة قوم سوء أضاعوا ما أخذوه منهم من الصلاة والتوجه العبادي إلى الله سبحانه بالتهاون فيه والإعراض عنه ، واتبعوا الشهوات الصارفة لهم عن المجاهدة في الله والتوجه إليه.

ومن هنا يظهر أن المراد بإضاعة الصلاة إفسادها بالتهاون فيها والاستهانة بها حتى ينتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها بعد الأخذ والقبول فما قيل: إن المراد بإضاعة الصلاة تركها ليس بسديد إذ لا يسمى ترك الشيء من رأس إضاعة له والعناية في الآية متعلقه بأن الدين الإلهي انتقل من أولئك السلف الصالح بعدهم إلى هؤلاء الخلف الطالح فلم يحسنوا الخلافة وأضاعوا ما ورثوه من الصلاة التي هي الركن الوحيد في العبودية واتبعوا الشهوات الصارفة عن الحق.

وقوله:"فسوف يلقون غيا"أي جزاء غيهم على ما قيل فهو كقوله:"و من يفعل ذلك يلق أثاما".

ومن الممكن أن يكون المراد به نفس الغي بفرض الغي غاية للطريق التي يسلكونها وهي طريق إضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإذ كانوا يسلكون طريقا غايتها الغي فسيلقونه إذا قطعوها إما بانكشاف غيهم لهم يوم القيامة حيث ينكشف لهم الحقائق أو برسوخ الغي في قلوبهم وصيرورتهم من أولياء الشيطان كما قال:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 ، وكيف كان فهو استعارة بالكناية لطيفة.

قوله تعالى:"إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا"استثناء من الآية السابقة فهؤلاء الراجعون إلى الله سبحانه ملحقون بأولئك الذين أنعم الله عليهم وهم معهم لا منهم كما قال تعالى:"و من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء: 69.

وقوله:"فأولئك يدخلون الجنة"من وضع المسبب موضع السبب والأصل فأولئك يوفون أجرهم ، والدليل على ذلك قوله بعده:"و لا يظلمون شيئا"فإنه من لوازم توفية الأجر لا من لوازم دخول الجنة.

قوله تعالى:"جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا"العدن الإقامة ففي تسميتها به إشارة إلى خلودها لداخليها ، والوعد بالغيب هو الوعد بما ليس تحت إدراك الموعود له ، وكون الوعد مأتيا عدم تخلفه ، قال في المجمع ،: والمفعول هنا بمعنى الفاعل لأن ما أتيته فقد أتاك وما أتاك فقد أتيته يقال: أتيت خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة ، وقيل: إن الموعود الجنة والجنة يأتيها المؤمنون انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت