فهرس الكتاب

الصفحة 2851 من 4314

و قد قسم الله تعالى الذين أنعم عليهم من النبيين على هذه الطوائف الأربع أعني ذرية آدم ومن حمله مع نوح وذرية إبراهيم وذرية إسرائيل وقد كان ذكر كل سابق يغني عن ذكر لاحقه لكون ذرية إسرائيل من ذرية إبراهيم والجميع ممن حمل مع نوح والجميع من ذرية آدم (عليه السلام) .

ولعل الوجه فيه الإشارة إلى نزول نعمة السعادة وبركة النبوة على نوع الإنسان كرة بعد كرة فقد ذكر ذلك في القرآن الكريم في أربعة مواطن لطوائف أربع: أحدها لعامة بني آدم حيث قال:"قيل اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة: 39.

والثاني ما في قوله تعالى:"قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم": هود: 48 ، والثالث ما في قوله تعالى:"و لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون": الحديد: 26 ، والرابع ما في قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين": الجاثية: 16.

فهذه مواعد أربع بتخصيص نوع الإنسان بنعمة النبوة وموهبة السعادة ، وقد أشير إليها في الآية المبحوث عنها بقوله:"من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ، وقد ذكر في القصص السابقة من كل من الذراري الأربع كإدريس من ذرية آدم ، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح ، وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم ، وزكريا ويحيى وعيسى وموسى وهارون وإسماعيل - على ما استظهرنا - من ذرية إسرائيل."

وقوله:"و ممن هدينا واجتبينا"معطوف على قوله:"من النبيين"وهؤلاء غير النبيين من الذين أنعم الله عليهم فإن هذه النعمة غير خاصة بالنبيين ولا منحصرة فيهم بدليل قوله تعالى:"و من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا": النساء: 69 وقد ذكر الله سبحانه بين من قص قصته مريم (عليها السلام) معتنيا بها إذ قال:"و اذكر في الكتاب مريم"وليست من النبيين فالمراد بقوله:"و ممن هدينا واجتبينا"غير النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين لا محالة ، وكانت مريم من الصديقين لقوله تعالى:"ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة": المائدة: 75.

ومما تقدم من مقتضى السياق يظهر فساد قول من جعل"و ممن هدينا واجتبينا"معطوفا على قوله:"من النبيين"مع أخذ من للبيان ، وأورد عليه بعضهم أيضا بأن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال: المراد ممن جمعنا له بين النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر.

وفيه منع كون ظاهر العطف المغايرة مصداقا وإنما هو المغايرة في الجملة ولو بحسب الوصف والبيان.

ونظيره قول من قال بكونه معطوفا على قوله:"من ذرية آدم"ومن للتبعيض وقد اتضح وجه فساده مما قدمناه.

ونظيره قول من قال: إن قوله:"و ممن هدينا"استئناف من غير عطف فقد تم الكلام عند قوله:"إسرائيل"ثم ابتدأ فقال: وممن هدينا واجتبينا من الأمم قوم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه ، والوجه منسوب إلى أبي مسلم المفسر.

وفيه أنه تقدير من غير دليل.

على أن في ذلك إفساد غرض على ما يشهد به السياق إذ الغرض منها بيان طريقة أولئك العباد المنعم عليهم وأنهم كانوا خاضعين لله خاشعين له وأن أخلافهم أعرضوا عن طريقتهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وهذا لا يتأتى إلا بكون قوله:"إذا تتلى عليهم"إلخ خبرا لقوله:"أولئك الذين أنعم الله عليهم"وأخذ قوله:"و ممن هدينا"إلى آخر الآية استئنافا مقطوعا عما قبله إفساد للغرض المذكور من رأس.

وقوله:"إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا"السجد جمع ساجد والبكي على فعول جمع باكي والجملة خبر للذين في صدر الآية ويحتمل أن يكون الخرور سجدا وبكيا كناية عن كمال الخضوع والخشوع فإن السجدة ممثل لكمال الخضوع والبكاء لكمال الخشوع والأنسب على هذا أن يكون المراد بالآيات وتلاوتها ذكر مطلق ما يحكي شأنا من شئونه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت