فهرس الكتاب

الصفحة 4309 من 4314

112 سورة الإخلاص - 1 - 4

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (1) اللّهُ الصمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لّهُ كفُوًا أَحَدُ (4)

السورة تصفه تعالى بأحدية الذات ورجوع ما سواه إليه في جميع حوائجه الوجودية من دون أن يشاركه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وهو التوحيد القرآني الذي يختص به القرآن الكريم ويبني عليه جميع المعارف الإسلامية.

وقد تكاثرت الأخبار في فضل السورة حتى ورد من طرق الفريقين أنها تعدل ثلث القرآن كما سيجيء إن شاء الله.

والسورة تحتمل المكية والمدنية ، والظاهر من بعض ما ورد في سبب نزولها أنها مكية.

قوله تعالى:"قل هو الله أحد"هو ضمير الشأن والقصة يفيد الاهتمام بمضمون الجملة التالية له ، والحق أن لفظ الجلالة علم بالغلبة له تعالى بالعربية كما أن له في غيرها من اللغات اسما خاصا به ، وقد تقدم بعض الكلام فيه في تفسير سورة الفاتحة.

وأحد وصف مأخوذ من الوحدة كالواحد غير أن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد بخلاف الواحد فإن كل واحد له ثانيا وثالثا إما خارجا وإما ذهنا بتوهم أو بفرض العقل فيصير بانضمامه كثيرا ، وأما الأحد فكل ما فرض له ثانيا كان هو هو لم يزد عليه شيء.

واعتبر ذلك في قولك: ما جاءني من القوم أحد فإنك تنفي به مجيء اثنين منهم وأكثر كما تنفي مجيء واحد منهم بخلاف ما لو قلت: ما جاءني واحد منهم فإنك إنما تنفي به مجيء واحد منهم بالعدد ولا ينافيه مجيء اثنين منهم أو أكثر ، ولإفادته هذا المعنى لا يستعمل في الإيجاب مطلقا إلا فيه تعالى ومن لطيف البيان في هذا الباب قول علي عليه أفضل السلام في بعض خطبه في توحيده تعالى: كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وقد أوردنا طرفا من كلامه (عليه السلام) في التوحيد في ذيل البحث عن توحيد القرآن في الجزء السادس من الكتاب.

قوله تعالى:"الله الصمد"الأصل في معنى الصمد القصد أو القصد مع الاعتماد يقال: صمده يصمده صمدا من باب نصر أي قصده أو قصده معتمدا عليه ، وقد فسروا الصمد - وهو صفة - بمعاني متعددة مرجع أكثرها إلى أنه السيد المصمود إليه أي المقصود في الحوائج ، وإذا أطلق في الآية ولم يقيد بقيد فهو المقصود في الحوائج على الإطلاق.

وإذا كان الله تعالى هو الموجد لكل ذي وجود مما سواه يحتاج إليه فيقصده كل ما صدق عليه أنه شيء غيره ، في ذاته وصفاته وآثاره قال تعالى:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 وقال وأطلق:"و أن إلى ربك المنتهى": النجم: 42 فهو الصمد في كل حاجة في الوجود لا يقصد شيئا إلا وهو الذي ينتهي إليه قصده وينجح به طلبته ويقضي به حاجته.

ومن هنا يظهر وجه دخول اللام في الصمد وأنه لإفادة الحصر فهو تعالى وحده الصمد على الإطلاق ، وهذا بخلاف أحد في قوله"الله أحد"فإن أحدا بما يفيده من معنى الوحدة الخاصة لا يطلق في الإثبات على غيره تعالى فلا حاجة فيه إلى عهد أو حصر.

وأما إظهار اسم الجلالة ثانيا حيث قيل:"الله الصمد"ولم يقل: هو الصمد ، ولم يقل: الله أحد صمد فالظاهر أن ذلك للإشارة إلى كون كل من الجملتين وحدها كافية في تعريفه تعالى حيث إن المقام مقام تعريفه تعالى بصفة تختص به فقيل: الله أحد الله الصمد إشارة إلى أن المعرفة به حاصلة سواء قيل كذا أو قيل كذا.

والآيتان مع ذلك تصفانه تعالى بصفة الذات وصفة الفعل جميعا فقوله:"الله أحد"يصفه بالأحدية التي هي عين الذات ، وقوله:"الله الصمد"يصفه بانتهاء كل شيء إليه وهو من صفات الفعل.

وقيل: الصمد بمعنى المصمت الذي ليس بأجوف فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يلد ولا يولد وعلى هذا يكون قوله:"لم يلد ولم يولد"تفسيرا للصمد.

قوله تعالى:"لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد"الآيتان الكريمتان تنفيان عنه تعالى أن يلد شيئا بتجزيه في نفسه فينفصل عنه شيء سنخه بأي معنى أريد من الانفصال والاشتقاق كما يقول به النصارى في المسيح (عليه السلام) إنه ابن الله وكما يقول الوثنية في بعض آلهتهم أنهم أبناء الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت