أقول: وقد اختلط عليه طريق البحث فحسبه بحثا لغويا زعم فيه أن العرب لو وضعت لفظ الابن لما يشمل ابن البنت تغيرت بذلك نتيجة البحث ، وهو غفلة عن أن الآثار والأحكام المترتبة في المجتمعات المختلفة البشرية على الأبوة والبنوة ونحوهما لا تتبع اللغات ، وإنما تتبع نوع بنية المجتمع والسنن الدائرة فيها ، وربما تغيرت هذه الأحكام والآثار بتغيير السنة الاجتماعية في المجتمع مع بقاء اللغة على حالها ، وهذا يكشف عن كون البحث اجتماعيا أو عائدا إليه لا لفظيا لغويا.
وأما ما أنشد من الشعر فليس يسوى الشعر في سوق الحقائق شيئا - وليس إلا زخرفة خيالية وتزويقا وهميا - حتى يستدل بكل ما تقوله شاعر لاغ ولا سيما فيما يداخله القرآن الذي هو قول فصل وليس بالهزل.
وأما مسألة لحوق الأبناء بآبائهم دون الأجداد من جانب الأمهات فهي على أنها ليست مسألة لفظية لغوية ليست من فروع النسب حتى يستلزم لحوق الابن والبنت بالأب انقطاع نسبهما من جهة الأم ، بل من فروع قيمومة الرجل على البيت من حيث الإنفاق ، وتربية الأولاد ونحوها.
وبالجملة فالأم تنقل رابطة النسب إلى أولادها من ذكور أو إناث كما ينقلها الأب ، ومن آثاره البارزة في الإسلام الميراث وحرمة النكاح ، نعم هناك أحكام ومسائل أخر لها ملاكات خاصة كلحوق الولد والنفقة ومسألة سهم أولي القربى من السادات وكل تتبع ملاكها الخاص بها.
النكاح والازدواج من السنن الاجتماعية التي لم تزل دائرة في المجتمعات الإنسانية أي مجتمع كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم ، وهو في نفسه دليل على كونه سنة فطرية.
على أن من أقوى الدليل على ذلك كون الذكر والأنثى مجهزين بحسب البنية الجسمانية بوسائل التناسل والتوالد كما ذكرناه مرارا ، والطائفتان الذكر والأنثى في ابتغاء ذلك شرع سواء وإن زيدت الأنثى بجهاز الإرضاع والعواطف الفطرية الملائمة لتربية الأولاد.
ثم إن هناك غرائز إنسانية تنعطف إلى محبة الأولاد ، وتقبل قضاء الطبيعة بكون الإنسان باقيا ببقاء نسله ، وتذعن بكون المرأة سكنا للرجل وبالعكس ، وتحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك والاختصاص ، وتحترم لزوم تأسيس البيت.
والمجتمعات التي تحترم هذه الأصول والأحكام الفطرية في الجملة لا مناص لها من الإذعان بسنة النكاح على نحو الاختصاص بوجه بمعنى أن لا يختلط الرجال والنساء على نحو يبطل الأنساب وإن فرض التحفظ عن فساد الصحة العامة وقوة التوالد الذي يوجبه شيوع الزنا والفحشاء.
هذه أصول معتبرة عند جميع الأمم الجارية على سنة النكاح في الجملة سواء خصوا الواحد بالواحد ، أو جوزوا الكثير من النساء للواحد من الرجال أو بالعكس أو الكثير منهم للكثير منهن على اختلاف هذه السنن بين الأمم فإنهم مع ذلك يعتبرون النكاح بخاصته التي هي نوع ملازمة ومصاحبة بين الزوجين.
فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويفسد الأنساب أول ما تبغضه الفطرة الإنسانية القاضية بالنكاح ، ولا تزال ترى لهذه المباغضة آثارا بين الأمم المختلفة والمجتمعات المتنوعة حتى الأمم التي تعيش على الحرية التامة في الرجال والنساء في المواصلات والمخالطات الشهوية فإنهم متوحشون من هذه الخلاعات المسترسلة ، وتراهم يعيشون بقوانين تحفظ لهم أحكام الأنساب بوجه.
والإنسان مع إذعانه بسنة النكاح لا يتقيد فيه بحسب الطبع ، ولا يحرم على نفسه ذا قرابة أو أجنبيا ، ولا يجتنب الذكر من الإنسان أما ولا أختا ولا بنتا ولا غيرهن ، ولا الأنثى منه أبا ولا أخا ولا ابنا بحسب الداعية الشهوية فالتاريخ والنقل يثبت نكاح الأمهات والأخوات والبنات وغيرهن في الأمم العظيمة الراقية والمنحطة ، والأخبار تحقق الزنا الفاشي في الملل المتمدنة اليوم بين الإخوة والأخوات ، والآباء والبنات وغيرهن فطاغية الشهوة لا يقوم لها شيء ، وما كان بين هذه الأمم من اجتناب نكاح الأمهات والأخوات والبنات وما يلحق بهن فإنما هو سنة موروثة ربما انتهت إلى بعض الآداب والرسوم القومية.