فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 4314

فيبين تعالى بهذه الجملة أن التدبير له وبعلمه بروابط الأشياء التي هو الجاعل لها ، وبقية الأسباب والعلل وخاصة أولوا العلم منها وإن كان لها تصرف وعلم لكن ما عندهم من العلم الذي ينتفعون به ويستفيدون منه فإنما هو من علمه تعالى وبمشيته وإرادته ، فهو من شئون العلم الإلهي ، وما تصرفوا به فهو من شئون التصرف الإلهي وأنحاء تدبيره ، فلا يسع لمقدم منهم أن يقدم على خلاف ما يريده الله سبحانه من التدبير الجاري في مملكته إلا وهو بعض التدبير.

وفي قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، على تقدير أن يراد بالعلم المعنى المصدري أو معنى اسم المصدر لا المعلوم دلالة على أن العلم كله لله ولا يوجد من العلم عند عالم إلا وهو شيء من علمه تعالى ، ونظيره ما يظهر من كلامه تعالى من اختصاص القدرة والعزة والحياة بالله تعالى ، قال تعالى:"و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا:"البقرة - 165 ، وقال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا:"النساء - 139 ، وقال تعالى:"هو الحي لا إله إلا هو": المؤمن - 65 ، ويمكن أن يستدل على ما ذكرناه من انحصار العلم بالله تعالى بقوله:"إنه هو العليم الحكيم:"يوسف - 83 ، وقوله تعالى:"و الله يعلم وأنتم لا تعلمون:"آل عمران - 66 ، إلى غير ذلك من الآيات ، وفي تبديل العلم بالإحاطة في قوله: ولا يحيطون بشيء من علمه ، لطف ظاهر.

قوله تعالى: وسع كرسيه السموات والأرض ، الكرسي معروف وسمي به لتراكم بعض أجزائه بالصناعة على بعض ، وربما كني بالكرسي عن الملك فيقال كرسي الملك ، ويراد منطقة نفوذه ومتسع قدرته.

وكيف كان فالجمل السابقة على هذه الجملة أعني قوله: له ما في السموات وما في الأرض"إلخ"، تفيد أن المراد بسعة الكرسي إحاطة مقام السلطنة الإلهية ، فيتعين للكرسي من المعنى: أنه المقام الربوبي الذي يقوم به ما في السماوات والأرض من حيث إنها مملوكة مدبرة معلومة ، فهو من مراتب العلم ، ويتعين للسعة من المعنى: أنها حفظ كل شيء مما في السماوات والأرض بذاته وآثاره ، ولذلك ذيله بقوله: ولا يؤوده حفظهما.

قوله تعالى: ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ، يقال: آده يؤوده أودا إذا ثقل عليه وأجهده وأتعبه ، والظاهر أن مرجع الضمير في يؤوده ، هو الكرسي وإن جاز رجوعه إليه تعالى ، ونفي الأود والتعب عن حفظ السماوات والأرض في ذيل الكلام ليناسب ما افتتح به من نفي السنة والنوم في القيومية على ما في السماوات والأرض.

ومحصل ما تفيده الآية من المعنى: أن الله لا إله إلا هو له كل الحياة وله القيومية المطلقة من غير ضعف ولا فتور ، ولذلك وقع التعليل بالاسمين الكريمين: العلي العظيم فإنه تعالى لعلوه لا تناله أيدي المخلوقات فيوجبوا بذلك ضعفا في وجوده وفتورا في أمره ، ولعظمته لا يجهده كثرة الخلق ولا يطيقه عظمة السماوات والأرض ، وجملة: وهو العلي العظيم ، لا تخلو عن الدلالة على الحصر ، وهذا الحصر إما حقيقي كما هو الحق ، فإن العلو والعظمة من الكمال وحقيقة كل كمال له تعالى ، وأما دعوى لمسيس الحاجة إليه في مقام التعليل ليختص العلو والعظمة به تعالى دعوى ، فيسقط السماوات والأرض عن العلو والعظمة في قبال علوه وعظمته تعالى.

في تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أبو ذر: يا رسول الله ما أفضل ما أنزل عليك؟ قال: آية الكرسي ، ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ثم قال: وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة: أقول: وروى صدر الرواية السيوطي في الدر المنثور ، عن ابن راهويه في مسنده عن عوف بن مالك عن أبي ذر ، ورواه أيضا عن أحمد وابن الضريس والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر.

وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة ، قال: قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، آية الكرسي: أقول: وروي فيه هذا المعنى أيضا عن الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت