فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 4314

فمساق هذه الآية في عموم الشفاعة مساق قوله تعالى:"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس - 3 ، وقوله تعالى:"الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع:"الم السجدة - 4 ، وقد عرفت في البحث عن الشفاعة أن حدها كما ينطبق على الشفاعة التشريعية كذلك ينطبق على السببية التكوينية ، فكل سبب من الأسباب يشفع عند الله لمسببه بالتمسك بصفات فضله وجوده ورحمته لإيصال نعمة الوجود إلى مسببه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة كما ينطبق على نظام الدعاء والمسألة ، قال تعالى:"يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن:"الرحمن - 29 ، وقال تعالى:"و آتيكم من كل ما سألتموه:"إبراهيم - 34 ، وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى:"و إذا سألك عبادي عني": البقرة - 186.

قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، سياق الجملة مع مسبوقيتها بأمر الشفاعة يقرب من سياق قوله تعالى: بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون:"الأنبياء - 28 ، فالظاهر أن ضمير الجمع الغائب راجع إلى الشفعاء الذي تدل عليه الجملة السابقة معنى فعلمه تعالى بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن كمال إحاطته بهم ، فلا يقدرون بواسطة هذه الشفاعة والتوسط المأذون فيه على إنفاذ أمر لا يريده الله سبحانه ولا يرضى به في ملكه ، ولا يقدر غيرهم أيضا أن يستفيد سوءا من شفاعتهم ووساطتهم فيداخل في ملكه تعالى فيفعل فيه ما لم يقدره."

وإلى نظير هذا المعنى يدل قوله تعالى:"و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا:"مريم - 64 ، وقوله تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا": الجن - 28 ، فإن الآيات تبين إحاطته تعالى بالملائكة والأنبياء لئلا يقع منهم ما لم يرده ، ولا يتنزلوا إلا بأمره ، ولا يبلغوا إلا ما يشاؤه.

وعلى ما بيناه فالمراد بما بين أيديهم: ما هو حاضر مشهود معهم ، وبما خلفهم: ما هو غائب عنهم بعيد منهم كالمستقبل من حالهم ، ويؤول المعنى إلى الشهادة والغيب.

وبالجملة قوله: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، كناية عن إحاطته تعالى بما هو حاضر معهم موجود عندهم وبما هو غائب عنهم آت خلفهم ، ولذلك عقبه بقوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، تبيينا لتمام الإحاطة الربوبية والسلطة الإلهية أي أنه تعالى عالم محيط بهم وبعلمهم وهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

ولا ينافي إرجاع ضمير الجمع المذكر العاقل وهو قوله"هم"في المواضع الثلاث إلى الشفعاء ما قدمناه من أن الشفاعة أعم من السببية التكوينية والتشريعية ، وأن الشفعاء هم مطلق العلل والأسباب ، وذلك لأن الشفاعة والوساطة والتسبيح والتحميد لما كان المعهود من حالها أنها من أعمال أرباب الشعور والعقل شاع التعبير عنها بما يخص أولي العقل من العبارة.

وعلى ذلك جرى ديدن القرآن في بياناته كقوله تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم:"الإسراء - 44 ، وقوله تعالى:"ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": فصلت - 11 ، إلى غير ذلك من الآيات.

وبالجملة قوله: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، يفيد معنى تمام التدبير وكماله ، فإن من كمال التدبير أن يجهل المدبر بالفتح بما يريده المدبر بالكسر من شأنه ومستقبل أمره لئلا يحتال في التخلص عما يكرهه من أمر التدبير فيفسد على المدبر بالكسر تدبيره ، كجماعة مسيرين على خلاف مشتهاهم ومرادهم فيبالغ في التعمية عليهم حتى لا يدروا من أين سيروا ، وفي أين نزلوا ، وإلى أين يقصد بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت