و قد أورد على قوله: سنة ولا نوم إنه على خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة فإن المقام مقام الترقي ، والترقي في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى كقولنا: فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين ، وفلان يجود بالمئات بل بالألوف وفي النفي بالعكس كما نقول: لا يقدر فلان على حمل عشرين ولا عشرة ، ولا يجود بالألوف ولا بالمئات ، فكان ينبغي أن يقال: لا تأخذه نوم ولا سنة.
والجواب: أن الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات والنفي دائما كما يقال: فلان يجهده حمل عشرين بل عشرة ولا يصح العكس ، بل المراد هو صحة الترقي وهي مختلفة بحسب الموارد ، ولما كان أخذ النوم أقوى تأثيرا وأضر على القيومية من السنة كان مقتضى ذلك أن ينفي تأثير السنة وأخذها أولا ثم يترقى إلى نفي تأثير ما هو أقوى منه تأثيرا ، ويعود معنى لا تأخذه سنة ولا نوم إلى مثل قولنا: لا يؤثر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه.
قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه لما كانت القيومية التامة التي له تعالى لا تتم إلا بأن يملك السماوات والأرض وما فيهما بحقيقة الملك ذكره بعدهما ، كما أن التوحيد التام في الألوهية لا يتم إلا بالقيومية ، ولذلك ألحقها بها أيضا.
وهاتان جملتان كل واحدة منهما مقيدة أو كالمقيدة بقيد في معنى دفع الدخل ، أعني قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض ، مع قوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، وقوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، مع قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
فأما قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض ، فقد عرفت معنى ملكه تعالى بالكسر للموجودات وملكه تعالى بالضم لها ، والملك بكسر الميم وهو قيام ذوات الموجودات وما يتبعها من الأوصاف والآثار بالله سبحانه هو الذي يدل عليه قوله تعالى: له ما في السماوات وما في الأرض ، فالجملة تدل على ملك الذات وما يتبع الذات من نظام الآثار.
وقد تم بقوله: القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض إن السلطان المطلق في الوجود لله سبحانه لا تصرف إلا وهو له ومنه ، فيقع من ذلك في الوهم أنه إذا كان الأمر على ذلك فهذه الأسباب والعلل الموجودة في العالم ما شأنها؟ وكيف يتصور فيها ومنها التأثير ولا تأثير إلا لله سبحانه؟ فأجيب بأن تصرف هذه العلل والأسباب في هذه الموجودات المعلولة توسط في التصرف ، وبعبارة أخرى شفاعة في موارد المسببات بإذن الله سبحانه ، فإنما هي شفعاء ، والشفاعة - وهي بنحو توسط في إيصال الخير أو دفع الشر ، وتصرف ما من الشفيع في أمر المستشفع - إنما تنافي السلطان الإلهي والتصرف الربوبي المطلق إذا لم ينته إلى إذن الله ، ولم يعتمد على مشية الله تعالى بل كانت مستقلة غير مرتبطة وما من سبب من الأسباب ولا علة من العلل إلا وتأثيره بالله ونحو تصرفه بإذن الله ، فتأثيره وتصرفه نحو من تأثيره وتصرفه تعالى فلا سلطان في الوجود إلا سلطانه ولا قيومية إلا قيوميته المطلقة عز سلطانه.
وعلى ما بيناه فالشفاعة هي التوسط المطلق في عالم الأسباب والوسائط أعم من الشفاعة التكوينية وهي توسط الأسباب في التكوين ، والشفاعة التشريعية أعني التوسط في مرحلة المجازاة التي تثبتها الكتاب والسنة في يوم القيامة على ما تقدم البحث عنها في قوله تعالى:"و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا:"البقرة - 48 ، وذلك أن الجملة أعني قوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده ، مسبوقة بحديث القيومية والملك المطلق الشاملين للتكوين والتشريع معا ، بل المتماسين بالتكوين ظاهرا فلا موجب لتقييدهما بالقيومية والسلطنة التشريعيتين حتى يستقيم تذييل الكلام بالشفاعة المخصوصة بيوم القيامة.