و تدل الرواية أيضا على كون اسم امرأة عمران: حنة ، وهو المشهور ، وفي بعض الروايات: مرثار ، ولا يهمنا البحث عن ذلك.
وفي تفسير القمي ،: في ذيل الرواية السابقة: فلما بلغت مريم صارت في المحراب ، وأرخت على نفسها سترا ، وكان لا يراها أحد ، وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فكان يقول: أنى لك هذا فتقول: هو من عند الله - إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
وفي تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن زكريا لما دعا ربه أن يهب له ولدا فنادته الملائكة بما نادته به أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من الله فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام فلما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وذلك قول الله رب اجعل لي آية.
أقول: وروى قريبا منه القمي في تفسيره ، وقد عرفت فيما تقدم أن سياق الآيات لا يأبى عن ذلك.
وبعض المفسرين شدد النكير على ما تضمنته هذه الروايات كالوحي إلى عمران ووجود الفاكهة في محراب مريم في غير وقتها ، وكون سؤال زكريا للآية للتمييز فقال: إن هذه أمور لا طريق إلى إثباتها فلا هو سبحانه ذكرها ، ولا رسوله قالها ، ولا هي مما يعرف بالرأي ولم يثبتها تاريخ يعتد به ، وليس هناك إلا روايات إسرائيلية وغير إسرائيلية ، ولا موجب للتكلف في تحصيل معنى القرآن وحمله على أمثال هذه الوجوه البعيدة عن الأفهام.
وهو منه كلام من غير حجة ، والروايات وإن كانت آحادا غير خالية عن ضعف الطريق لا يجب على الباحث الأخذ بها ، والاحتجاج بما فيها لكن التدبر في الآيات يقرب الذهن منها ، والذي نقل منها عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يشتمل على أمر غير جائز عند العقل.
نعم في بعض ما نقل عن قدماء المفسرين أمور غير معقولة كما نقل عن قتادة وعكرمة: أن الشيطان جاء إلى زكريا وشككه في كون البشارة من الله تعالى ، وقال: لو كانت من الله لأخفى لك في ندائه كما أخفيت له في ندائك إلى غير ذلك فهي معان لا مجوز لتسليمها كما ورد في إنجيل لوقا: أن جبرئيل قال لزكريا"و ها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته"إنجيل لوقا 1 - 20.
وفي الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : ما من قلب إلا وله أذنان على إحداهما ملك مرشد ، وعلى الأخرى شيطان مفتن: هذا يأمره ، وهذا يزجره ، الشيطان يأمره بالمعاصي ، والملك يزجره عنها ، وذلك قول الله عز وجل: ما يلفظ من قول - إلا لديه رقيب عتيد عن اليمين وعن الشمال قعيد.
أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة سيأتي شطر منها ، وتطبيقه (عليه السلام) الآية على الملك والشيطان في هذه الرواية لا ينافي تطبيقه إياها على الملكين الكاتبين للحسنات والسيئات في رواية أخرى فإن الآية لا تدل على أزيد من وجود رقيب عتيد عند الإنسان يرقبه في جميع ما يتكلم به ، وأنه متعدد عن يمين الإنسان وشماله ، وأما أنه من الملائكة محضا أو ملك وشيطان فالآية غير صريحة في ذلك قابلة للانطباق على كل من المحتملين.
وفيه ، أيضا عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرسول وعن النبي وعن المحدث ، قال: الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربه يقول: يأمرك كذا وكذا ، والرسول يكون نبيا مع الرسالة ، والنبي لا يعاين الملك ينزل عليه الشيء النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه ، قلت فما علمه أن الذي في منامه حق؟ قال: يبينه الله حتى يعلم أن ذلك حق ، ولا يعاين الملك ، الحديث.
أقول: قوله: والرسول يكون نبيا إشارة إلى إمكان اجتماع الوصفين وقد تقدم الكلام في معنى الرسالة والنبوة في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله"الآية: البقرة - 213.
وقوله: فيكون كالمغمى عليه تفسير معنى رؤيته في المنام ، وأن معناه الغيبة عن الحس دون المنام المعروف ، وقوله: يبينه الله"الخ"إشارة إلى التمييز بين الإلقاء الملكي والشيطاني بما بينه الله من الحق.