فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 4314

4 سورة النساء - 31

إِن تجْتَنِبُوا كبَائرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكم مّدْخَلًا كَرِيمًا (31)

الآية غير عادمة الارتباط بما قبلها فإن فيما قبلها ذكرا من المعاصي الكبيرة.

قوله تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه"- إلى قوله: -"سيئاتكم"الاجتناب أصله من الجنب وهو الجارحة بني منها الفعل على الاستعارة ، فإن الإنسان إذا أراد شيئا استقبله بوجهه ومقاديم بدنه ، وإذا أعرض عنه وتركه وليه بجنبه فاجتنبه ، فالاجتناب هو الترك ، قال الراغب: وهو أبلغ من الترك ، انتهى ، وليس إلا لأنه مبني على الاستعارة ، ومن هذا الباب الجانب والجنيبة والأجنبي.

والتكفير من الكفر وهو الستر وقد شاع استعماله في القرآن في العفو عن السيئات والكبائر جمع كبيرة وصف وضع موضع الموصوف كالمعاصي ونحوها ، والكبر معنى إضافي لا يتحقق إلا بالقياس إلى صغر ، ومن هنا كان المستفاد من قوله: كبائر ما تنهون عنه أن هناك من المعاصي المنهي عنها ما هي صغيرة ، فيتبين من الآية: أولا: أن المعاصي قسمان: صغيرة وكبيرة ، وثانيا: أن السيئات في الآية هي الصغائر لما فيها من دلالة المقابلة على ذلك.

نعم العصيان والتمرد كيفما كان كبير وأمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق المربوب في جنب الله عظم سلطانه غير أن القياس في هذا الاعتبار إنما هو بين الإنسان وربه لا بين معصية ومعصية فلا منافاة بين كون كل معصية كبيرة باعتبار وبين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر.

وكبر المعصية إنما يتحقق بأهمية النهي عنها إذا قيس إلى النهي المتعلق بغيرها ولا يخلو قوله تعالى: ما تنهون عنه ، من إشعار أو دلالة على ذلك ، والدليل على أهمية النهي تشديد الخطاب بإصرار فيه أو تهديد بعذاب من النار ونحو ذلك.

قوله تعالى:"و ندخلكم مدخلا كريما"المدخل بضم الميم وفتح الخاء اسم مكان والمراد منه الجنة أو مقام القرب من الله سبحانه وإن كان مرجعهما واحدا.

كلام في الكبائر والصغائر وتكفير السيئات

لا ريب في دلالة قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ، الآية على انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر سميت في الآية بالسيئات ، ونظيرها في الدلالة قوله تعالى: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها الآية:"الكهف: 49"، إذ إشفاقهم مما في الكتاب يدل على أن المراد بالصغيرة والكبيرة صغائر الذنوب وكبائرها.

وأما السيئة فهي بحسب ما تعطيه مادة اللفظ وهيئته هي الحادثة أو العمل الذي يحمل المساءة ، ولذلك ربما يطلق لفظها على الأمور والمصائب التي يسوء الإنسان وقوعها كقوله تعالى: وما أصابك من سيئة فمن نفسك الآية:"النساء: 79"، وقوله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة الآية:"الرعد: 6"، وربما أطلق على نتائج المعاصي وآثارها الخارجية الدنيوية والأخروية كقوله تعالى: فأصابهم سيئات ما عملوا ، الآية:"النحل: 34"، وقوله تعالى: سيصيبهم سيئات ما كسبوا:"الزمر: 51"، وهذا بحسب الحقيقة يرجع إلى المعنى السابق ، وربما أطلق على نفس المعصية كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها الآية:"الشورى: 40"، والسيئة بمعنى المعصية ربما أطلقت على مطلق المعاصي أعم من الصغائر والكبائر كقوله تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون:"الجاثية: 21"، إلى غير ذلك من الآيات.

وربما أطلقت على الصغائر خاصة كقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الآية ، إذ مع فرض اجتناب الكبائر لا تبقى للسيئات إلا الصغائر.

وبالجملة دلالة الآية على انقسام المعاصي إلى الصغائر والكبائر بحسب القياس الدائر بين المعاصي أنفسها مما لا ينبغي أن يرتاب فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت