فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 4314

قوله تعالى: إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ، هذا إشارة إلى ما تقدم من قصص عيسى (عليه السلام) ، والكلام مشتمل على قصر القلب أي ما قصصناه هو الحق دون ما تدعيه النصارى من أمر عيسى.

وفي الإتيان بإن واللام وضمير الفصل تأكيد بالغ لتطييب نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتشجيعه في أمر المباهلة بإيقاظ صفة يقينه وبصيرته ووثوقه بالوحي الذي أنزله الله سبحانه إليه ، ويتعقبه التأكيد الثاني بإيراد الحقيقة بلازمها وهو قوله: وما من إله إلا الله فإن هذه الجملة لازمة كون القصص المذكور حقا.

قوله تعالى: وإن الله لهو العزيز الحكيم معطوف على أول الآية ، وهو بما فيه من التأكيد البالغ تطييب آخر وتشجيع لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله لا يعجز عن نصرة الحق وتأييده ، ولا أنه يغفل أو يلهو عن ذلك بإهمال أو جهل فإنه هو العزيز فلا يعجز عما أراده الحكيم فلا يجهل ولا يهمل لا ما عملته أوهام خصماء الحق من إله غير الله سبحانه.

ومن هنا يظهر وجه الآيتان بالاسمين: العزيز الحكيم ، وأن الكلام مسوق لقصر القلب أو الإفراد.

قوله تعالى: فإن الله عليم بالمفسدين ، لما كان الغرض من المحاجة وكذا المباهلة بحسب الحقيقة هو إظهار الحق لم يكن يعقل التولي عن الطريق لمريد الغرض والمقصد فلو كانوا أرادوا بذلك إظهار الحق وهم يعلمون أن الله سبحانه ولي الحق لا يرضى بزهوقه ودحوضه لم يتولوا عنها فإن تولوا فإنما هو لكونهم لا يريدون بالمحاجة ظهور الحق بل الغلبة الظاهرية والاحتفاظ على ما في أيديهم من حاضر الوضع ، والسنة التي استحكمت عليه عادتهم ، فهم إنما يريدون ما تزينه لهم أهواؤهم وهوساتهم من شكل الحياة ، لا الحياة الصالحة التي تنطبق على الحق والسعادة فهم لا يريدون إصلاحا بل إفساد الدنيا بإفساد الحياة السعيدة فإن تولوا فإنما هو لأنهم مفسدون.

ومن هنا يظهر أن الجزاء وضع فيه السبب مكان المسبب أعني الإفساد مكان عدم إرادة ظهور الحق.

وقد ضمن الجزاء وصف العلم حيث قيل فإن الله عليم ثم أكد بإن ليدل على أن هذه الصفة متحققة في نفوسهم ناشبة في قلوبهم فيشعر بأنهم سيتولون عن المباهلة لا محالة ، وقد فعلوا وصدقوا قول الله بفعلهم.

في تفسير القمي ، عن الصادق (عليه السلام) : أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد ، وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلوا ، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال دعوهم فلما فرغوا دنوا من رسول الله فقالوا إلى ما تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث ، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم ، أ كان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي ، فقالوا نعم: قال فمن أبوه؟ فبهتوا فأنزل الله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب الآية ، وقوله: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم إلى قوله: فنجعل لعنة الله على الكاذبين فقال رسول الله: فباهلوني فإن كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم ، وإن كنت كاذبا أنزلت علي فقالوا أنصفت فتواعدوا للمباهلة فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبيا ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله فإنه لا يقدم إلى أهل بيته إلا وهو صادق فلما أصبحوا جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي طالب ، وهذا ابنته فاطمة ، وهذا ابناه الحسن والحسين ففرقوا فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجزية وانصرفوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت