فإن قلت: كما أن النصارى الوافدين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحاب دعوى وهي أن المسيح هو الله أو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة من غير فرق بينهم أصلا ولا بين نسائهم وبين رجالهم في ذلك كذلك الدعوى التي كانت في جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي أن الله لا إله إلا هو وأن عيسى بن مريم عبده ورسوله كان القائمون بها جميع المؤمنين من غير اختصاص فيه بأحد من بينهم حتى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يكون لمن أحضره فضل على غيره غير أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحضر من أحضر منهم على سبيل الأنموذج لما اشتملت عليه الآية من الأبناء والنساء والأنفس ، على أن الدعوى غير الدعوة وقد ذكرت أنهم شركاء في الدعوة.
قلت: لو كان إتيانه بمن أتى به على سبيل الأنموذج لكان من اللازم أن يحضر على الأقل رجلين ونسوة وأبناء ثلاثة فليس الإتيان بمن أتى به إلا للانحصار وهو المصحح لصدق الامتثال بمعنى أنه لم يجد من يمتثل في الإتيان به أمره تعالى إلا من أتى وهو رجل وامرأة وابنان.
وإنك لو تأملت القصة وجدت أن وفد نجران من النصارى إنما وفدوا على المدينة ليعارضوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحاجوه في أمر عيسى بن مريم فإن دعوى أنه عبد الله ورسوله إنما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي الذي كان يدعيه لنفسه ، وأما الذين اتبعوه من المؤمنين فما كان للنصارى بهم شغل ولا لهم في لقائهم هوى كما يدل على ذلك قوله تعالى في صدر الآية: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ، وكذا قوله تعالى - قبل عدة آيات -: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن.
ومن هنا يظهر: أن إتيان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن أتى به للمباهلة لم يكن إتيانا بنحو الأنموذج إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرد إيمانهم في هذه المحاجة والمباهلة حتى يعرضوا للعن والعذاب المتردد بينهم وبين خصمهم ، وإنما أتى (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن أتى به من جهة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان طرف المحاجة والمداعاة فكان من حقه أن يعرض نفسه للبلاء المترقب على تقدير الكذب فلو لا أن الدعوى كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشريفة لم يكن لإتيانه بهم وجه فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء والنساء والأنفس بهم لا من جهة الإتيان بالأنموذج فقد صح أن الدعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به.
ثم إن النصارى إنما قصدوه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لمجرد أنه كان يرى أن عيسى بن مريم (عليهما السلام) عبد الله ورسوله ويعتقد ذلك بل لأنه كان يدعيه ويدعوهم إليه فالدعوة هي السبب العمدة التي بعثهم على الوفود والمحاجة فحضوره وحضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدعوى والدعوة معا فقد كانوا شركاءه في الدعوة الدينية كما شاركوه في الدعوى كما ذكرناه.
فإن قلت: هب أن إتيانه بهم لكونهم منه ، وانحصار هذا الوصف بهم لكن الظاهر - كما تعطيه العادة الجارية - أن إحضار الإنسان أحباءه وأفلاذ كبده من النساء والصبيان في المخاطر والمهاول دليل على وثوقه بالسلامة والعافية والوقاية فلا يدل إتيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم على أزيد من ذلك وأما كونهم شركاء في الدعوة فهو بمعزل عن أن يدل عليه فعله.
قلت: نعم صدر الآية لا يدل على أزيد مما ذكر لكنك قد عرفت أن ذيلها أعني قوله: على الكاذبين ، يدل على تحقق كاذبين في أحد طرفي المحاجة والمباهلة البتة ، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون في كل واحد من الطرفين جماعة صاحبة دعوى إما صادقة أو كاذبة فالذين أتى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مشاركون معه في الدعوى وفي الدعوة كما تقدم فقد ثبت أن الحاضرين كانوا بأجمعهم صاحبي دعوى ودعوة معه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وشركاء في ذلك.
فإن قلت: لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النبوة.
قلت: كلا فقد تبين فيما أسلفناه من مباحث النبوة أن الدعوة والتبليغ ليسا بعين النبوة والبعثة وإن كانا من شئونها ولوازمها ، ومن المناصب والمقامات الإلهية التي يتقلدها ، وكذا تبين مما تقدم من مبحث الإمامة أيضا أنهما ليسا بعين الإمامة وإن كانا من لوازمها بوجه.