هُوَ الّذِى أَنزَلَ عَلَيْك الْكِتَب مِنْهُ ءَايَتٌ محْكَمَتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشبِهَتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللّهُ وَالرّسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنّا بِهِ كلّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَبِ (7) رَبّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَب لَنَا مِن لّدُنك رَحْمَةً إِنّك أَنت الْوَهّاب (8) رَبّنَا إِنّك جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْب فِيهِ إِنّ اللّهَ لا يُخْلِف الْمِيعَادَ (9)
قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب ، عبر تعالى بالإنزال دون التنزيل لأن المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه ، وهو أنه مشتمل على آيات محكمة وأخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبين بها ، فالكتاب مأخوذ بهذا النظر أمرا واحدا من غير نظر إلى تعدد وتكثر فناسب استعمال الإنزال دون التنزيل.
قوله تعالى: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، مادة حكم تفيد معنى كون الشيء بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه ، ومنه الإحكام والتحكيم ، والحكم بمعنى القضاء ، والحكمة بمعنى المعرفة التامة والعلم الجازم النافع ، والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس ، ففي الجميع شيء من معنى المنع والإتقان ، وربما قيل: إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح.
والمراد هاهنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود التشابه فيها كالمتشابهات فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الآيات في قوله:"كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود - 1 ، لكن اشتمال الآية على ذكر التفصيل بعد الإحكام دليل على أن المراد بالإحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحدا لم يطرأ عليه التجزي والتبعض بعد بتكثر الآيات ، فهو إتقانه قبل وجود التبعض ، فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب ، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر من جهة امتناعها عن التشابه في المراد.
وبعبارة أخرى لما كان قوله منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات مشتملا على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي المحكم والمتشابه علمنا به أن المراد بالإحكام غير الإحكام الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: كتاب أحكمت ءاياته الآية وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وصف به جميع الكتاب في قوله:"كتابا متشابها مثاني": الزمر - 23.
وقد وصف المحكمات بأنها أم الكتاب ، والأم بحسب أصل معناه ما يرجع إليه الشيء ، وليس إلا أن الآيات المتشابهة ترجع إليها فالبعض من الكتاب وهي المتشابهات ترجع إلى بعض آخر وهي المحكمات ومن هنا يظهر أن الإضافة في قوله أم الكتاب ليست لامية كقولنا: أم الأطفال ، بل هي بمعنى من ، كقولنا نساء القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك ، فالكتاب يشتمل على آيات هي أم آيات أخر ، وفي إفراد كلمة الأم من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في أنفسها بل هي متفقة مؤتلفة.